الجصاص

239

أحكام القرآن

نهى عن لحوم الحمر وأذن لهم في لحوم الخيل ، فوردت أخبار جابر في ذلك متعارضة ، فجائز حينئذ أن يقال فيها وجهان ، أحدهما : أنه إذا ورد خبران أحدهما حاظر والآخر مبيح فالحضر أولى ، فجائز أن يكون الشارع أباحه في وقت ثم حظره ، وذلك لأن الأصل كان الإباحة والحضر طارىء عليها لا محالة ، ولا نعلم إباحة بعد الحضر ، فحكم الحضر ثابت لا محالة إذ لم تثبت إباحة بعد الحضر . وقد روي عن جماعة من السلف هذا المعنى ، وذلك لأن ابن وهب روى عن الليث بن سعد قال : خسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة سنة ثلاث عشر ومائة ، وبها يومئذ رجال من أهل العلم كثير منهم ابن شهاب وأبو بكر بن حزم وقتادة وعمرو بن شعيب ، قال : فقمنا قياما بعد العصر ندعو الله ، فقلت لأيوب بن موسى القرشي : ما لهم لا يصلون وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم ! قال : النهي قد جاء في الصلاة بعد العصر أن لا تصلى ، فلذلك لا يصلون ، وإن النهي يقطع الأمر ، فهذا أحد الوجهين في حديث جابر . والوجه الآخر : أن يتعارض خبرا جابر فيسقطا كأنهما لم يردا ، وقد روى إسرائيل بن يونس عن عبد الكريم الجزري عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال : كنا نأكل لحوم الخيل ، قال عطاء : فقلت له : فالبغال ؟ قال : أما البغال فلا . وروى هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ابنة أبي بكر قالت : " نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه " . وهذا لا حجة فيه للمخالف لأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم به وأقرهم عليه ، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علم به وأقرهم عليه كان محمولا على أنه كان قبل الحضر . وقد روى بقية بن الوليد عن ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل " . وقال الزهري : ما علمنا الخيل أكلت إلا في حصار . وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : " لا بأس بلحوم الخيل " ، وروي نحوه عن الأسود بن زيد والحسن البصري وشريح . وأبو حنيفة لا يطلق فيه التحريم وليس هو عنده كلحم الحمار الأهلي وإنما يكرهه لتعارض الأخبار الحاظرة والمبيحة فيه ، ويحتج له من طريق النظر أنه ذو حافر أهلي فأشبه الحمار والبغل . ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن لحم البغل لا يؤكل ، وهو من الفرس ، فلو كانت أمه حلالا لكان حكمه حكم أمه ، لأن حكم الولد حكم الأم إذ هو كبعضها ، ألا ترى أن حمارة أهلية لو ولدت من حمار وحشي لم يؤكل ولدها ، ولو ولدت حمارة وحشية من حمار أهلي أكل ولدها ؟ فكان الولد تابعا لأمه دون أبيه ، فلما كان لحم البغل غير مأكول وإن كانت أمه فرسا دل ذلك على أن الخيل غير مأكولة . قوله تعالى : ( وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ) يحتج به أبو يوسف ومحمد فيمن حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا أنه يحنث ، لتسمية الله إياه حليا . وأبو حنيفة يقول :