الجصاص
23
أحكام القرآن
أصابوا حمرا فطبخوها منها ، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن الله ورسوله ينهاكم عنها ، فإنها نجس فاكفئوا القدور " . وروى عبد الوهاب الثقفي عن أيوب بإسناده مثله ، قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى : إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس ، قال : فأكفئت القدور وإنها لتفور . وهذا يبطل تأويل من تأول النهي على النهبة وتأويل من تأوله على خوف فناء الحمر الأهلية بالذبح ، لأنه أخبر أنها نجس ، وذلك يقتضي تحريم عينها لا لسبب غيرها . ويدل عليه أنه أمر بالقدور فأكفئت ، ولو كان النهي لأجل ما ذكروا لأمر بأن يطعم المساكين كما أمر بذلك في الشاة المذبوحة بغير أمر أصحابها بأن يطعم الأسرى . وفي حديث أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحرم عليه ، فقال : " لا تأكل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع " ، فبهذا أيضا يبطل سائر التأويلات التي ذكرناها عن مبيحيها . وقد وقد روى عن سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر لأنها كانت تأكل العذرة ، فإن صح هذا التأويل للنهي الذي كان منه يوم خيبر فإن خبر أبي ثعلبة وغيره في سؤالهم عنها في غير يوم خيبر يوجب إيهام تحريمها لا لعلة غير أعيانها . وقد روي في حديث يروى عن عبد الرحمن بن مغفل عن رجال من مزينة - فقال بعضهم : غالب بن الأبجر ، وقال بعضهم : الحر بن غالب - أنه قال : يا رسول الله إنه لم يبق من مالي شئ أستطيع أن أطعم فيه أهلي غير حمرات لي ، قال : " فأطعم أهلك من سمين مالك فإنما كرهت لكم جوال القرية " ، فاحتج من أباح الحمر الأهلية بهذا الخبر . وهذا الخبر يدل على النهي عنها ، لأنه قال : " كرهت لكم جوال القرية " والحمر الأهلية كلها جوال القرى ، والإباحة عندنا في هذا الحديث إنما انصرفت إلى الحمر الوحشية . مطلب : الكلام في الحمار الوحشي إذا ألف وقد اختلف في الحمار الوحشي إذا دجن ، فقال أصحابنا والحسن بن صالح والشافعي في الحمار الوحشي إذا دجن وألف : " إنه جائز أكله " ، وقال ابن القاسم عن مالك : " إذا دجن وصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلي فإنه لا يؤكل " . وقد اتفقوا على أن الوحش الأهلي لا يخرجه عن حكم جنسه في تحريم الأكل كذلك ما أنس من الوحش . مطلب : الكلام في ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطيور قال أبو بكر : وقد اختلف في ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد : " لا يحل أكل ذي الناب من السباع وذي المخلب