الجصاص

205

أحكام القرآن

توبتهم على نبيه صلى الله عليه وسلم ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله تعالى قابل توبتهم . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) . روى ابن مسعود قال : " يعني لازم الصدق ، ولا تعدل عنه إذ ليس في الكذب رخصة " . وقال نافع والضحاك : " مع النبيين والصديقين بالعمل الصالح في الدنيا " . وقال تعالى في سورة البقرة : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) [ البقرة : 177 ] ، إلى قوله : ( أولئك الذين صدقوا ) [ البقرة : 177 ] ، وهذه صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار ، ثم قال في هذه الآية : ( وكونوا مع الصادقين ) فدل على لزوم اتباعهم والاقتداء بهم لإخباره بأن من فعل ما ذكر في الآية فهم الذين صدقوا ، وقال في هذه الآية : ( وكونوا مع الصادقين ) فدل على قيام الحجة علينا بإجماعهم وأنه غير جائز لنا مخالفتهم لأمر الله إيانا باتباعهم . وقوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) فيه مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم ، لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم . وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر رضي الله عنهم . قوله تعالى : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) ، قد بينت هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في غزواته إلا المعذورين ومن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود ، ولذلك ذم المنافقين الذين كانوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود في الآيات المتقدمة . وقوله : ( ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) أي يطلبون المنفعة بتوقية إلا أنفسهم دون نفسه ، بل كان الفرض عليهم أن يقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم . وقد كان من المهاجرين والأنصار من فعل ذلك وبذل نفسه للقتل ليقي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : ( ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ) ، فيه الدلالة على أن وطء ديارهم بمنزلة النيل منهم ، وهو قتلهم أو أخذ أموالهم أو إخراجهم عن ديارهم ، هذا كله نيل منهم ، وقد سوى بين وطء موضع يغيظ الكفار وبين النيل منهم ، فدل ذلك على أن وطء ديارهم وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم هو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر ، وفي ذلك دليل على أن الاعتبار فيما يستحقه الفارس والراجل من