الجصاص

206

أحكام القرآن

سهامهما بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة والقتال ، إذ كان الدخول بمنزلة حيازة الغنائم وقتلهم وأسرهم . ونظيره في الدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) [ الحشر : 6 ] ، فاقتضى ذلك اعتبار إيجاف الخيل والركاب في دار الحرب ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : " ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا " . قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) . روي عن ابن عباس أنه نسخ قوله : ( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) [ النساء : 71 ] وقوله : ( انفروا خفافا وثقالا ) ، فقال تعالى : ما كان لهم أن ينفروا في السرايا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وحده ، ولكن تبقى بقية لتتفقه ثم تنذر النافرة إذا رجعوا إليهم . وقال الحسن : " لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة " ، وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية لأنه قال تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) ، فظاهر الكلام يقتضي أن تكون الطائفة النافرة هي التي تتفقه وتنذر قومها إذا رجعت إليهم . وعلى التأويل الأول الفرقة التي نفرت منها الطائفة هي التي تتفقه وتنذر الطائفة إذا رجعت إليها ، وهو بعيد من وجهين ، أحدهما أن حكم العطف أن يتعلق بما يليه دون ما يتقدمه ، فوجب على هذا أن يكون قوله : ( منهم طائفة ليتفقهوا ) أن تكون الطائفة هي التي تتفقه وتنذر ، ولا يكون معناه من كل فرقة تتفقه في الدين تنفر منهم طائفة ، لأنه يقتضي إزالة ترتيب الكلام عن ظاهره وإثبات التقديم والتأخير فيه . والوجه الثاني : أن قوله : ( ليتفقهوا في الدين ) الطائفة أولى منه بالفرقة النافرة منها الطائفة ، وذلك لأن نفر الطائفة للتفقه معنى مفهوم يقع النفر من أجله ، والفرقة التي منها الطائفة ليس تفقهها وهو لأجل خروج الطائفة منها ، لأنها إنما تتفقه بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم حضرته لا لأن الطائفة نفرت ، منها ، فحمل الكلام على ذلك يبطل فائدة قوله تعالى : ( ليتفقهوا في الدين ) ، فثبت أن التي تتفقه هي الطائفة النافرة من الفرقة المقيمة في بلدها وتنذر قومها إذا رجعت إليها . وفي هذه الآية دلالة على وجوب طلب العلم وأنه مع ذلك فرض على الكفاية ، لما تضمنت من الأمر بنفر الطائفة من الفرقة للتفقه ، وأمر الباقين بالقعود لقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) . وقد روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " ، وهذا عندنا ينصرف على معنيين ، أحدهما : طلب العلم فيما يبتلى به الانسان من أمور دينه فعليه أن يتعلمه ، مثل من لا يعرف حدود الصلاة وفروضها وحضور وقتها فعليه أن يتعلمها ، ومثل من ملك مائتي