الجصاص
185
أحكام القرآن
عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) [ الحديد : 27 ] ، والابتداع قد يكون بالقول وبالفعل ، فاقتضى ذلك إيجاب كل ما ابتدعه الانسان من قربة قولا أو فعلا لذم الله تعالى تارك ما ابتدع من القربة . وقد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في النذر ، وهو قوله : " من نذر نذرا وسماه فعليه الوفاء به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين " . قوله تعالى : ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) . قال الحسن : " بخلهم بما نذروه أعقبهم النفاق " . وقال مجاهد : " أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس " . ومعناه نصب الدلالة على أنه لا يتوب أبدا ذما له على ما كسبته يده . وقوله : ( إلى يوم يلقونه ) ، قيل فيه : " يلقون جزاء بخلهم " ، ومن ذهب إلى أن الله أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله تعالى . قوله تعالى : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) . فيه إخبار بأن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا يوجب لهم المغفرة ، ثم قال : ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) ذكر السبعين على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة . وقد روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : " لأزيدن على السبعين " وهذا خطأ من راويه ، لأن الله تعالى قد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل الله مغفرة الكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم ، وإنما الرواية الصحيحة فيه ما روي أنه قال : " لو علمت أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت عليها " ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم ، فكانوا إذا مات الميت منهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء والاستغفار له فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون ، فأعلمه الله تعالى أنهم ماتوا منافقين وأخبر مع ذلك أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا ينفعهم . قوله تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ، فيه الدلالة على معان ، أحدها : فعل الصلاة على موتى المسلمين وحظرها على موتى الكفار . ويدل أيضا على القيام على القبر إلى أن يدفن ، وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يفعله . وقد روى وكيع عن قيس بن مسلم عن عمير بن سعد : " أن عليا قام على قبر حتى دفن " . وروى سفيان الثوري عن أبي قيس قال : " شهدت علقمة قام على قبر حتى دفن " . وروى جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير : " أن ابن الزبير كان إذا مات له ميت لم يزل قائما حتى ندفنه " . فهذا يدل على أن السنة لمن حضر عند القبر أن يقوم عليه حتى يدفن . ومن الناس من يستدل بذلك على جواز الصلاة على القبر ، وجعل قوله : ( ولا تقم على قبره ) قيام الصلاة على القبر ، وهذا خطأ من التأويل لأنه تعالى قال : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على