الجصاص
186
أحكام القرآن
الميت عطفا عليه ، فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه . وأيضا فإن القيام ليس هو عبارة عن الصلاة ، وإنما يريد هذا القائل أن يجعله كناية عنها ، وغير جائز أن تذكر الصلاة بصريح اسمها ثم يعطف عليها القيام فيجعله كناية عنها ، فثبت بذلك أن القيام على القبر غير الصلاة . وأيضا روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا أبي يا رسول الله قد وضعناه على شفير قبره فقم فصل عليه ! فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثبت معه ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام الناس خلفه تحولت وقمت في صدره وقلت : يا رسول الله على عبد الله بن أبي عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا ! أعد أيامه الخبيثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتدعني يا عمر إن الله خيرني فاخترت ، فقال : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) الآية ، فوالله لو أعلم يا عمر أني لو زدت على سبعين مرة أن يغفر له لزدت " ، ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم معه وقام على قبره حتى دفن ، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أنزل الله : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ، فوالله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد من المنافقين ولا قام على قبره بعده . فذكر عمر في هذا الحديث الصلاة والقيام على القبر جميعا ، فدل على ما وصفنا . وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ، فأخذ جبريل بثوبه فقال : " لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " . قوله تعالى : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) ، هذا عطف على ما تقدم من ذكر الجهاد في قوله : ( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) ، ثم عطف عليه قوله : ( وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ) ، فذمهم على الاستيذان في التخلف عن الجهاد من غير عذر . ثم ذكر المعذورين من المؤمنين ، فذكر الضعفاء وهم الذين يضعفون عن الجهاد بأنفسهم لزمانة أو عمى أو سن أو ضعف في الجسم ، وذكر المرضى وهم الذين بهم أعلال مانعة من النهوض والخروج للقتال ، وعذر الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون ، وكان عذر هؤلاء ومدحهم بشريطة النصح لله ورسوله ، لأن من تخلف منهم وهو غير ناصح لله ورسوله بل يريد التضريب والسعي في إفساد قلوب من بالمدينة لكان مذموما مستحقا للعقاب . ومن النصح لله تعالى حث المسلمين على الجهاد وترغيبهم فيه والسعي في إصلاح ذات بينهم ونحوه مما يعود بالنفع على الدين ، ويكون مع ذلك مخلصا لعمله من الغش ، لأن ذلك هو النصح ، ومنه التوبة النصوح . قوله تعالى : ( ما على المحسنين من سبيل ) ، عموم في أن كل من كان محسنا في