الجصاص
139
أحكام القرآن
قالت : لا ، أو ما شاء الله ، قال : " هو حسبك من النار " . فانتظم هذا الخبر معنيين ، أحدهما : وجوب زكاة الحلي ، والآخر : أن المصوغ يسمى ورقا لأنها قالت : " فتخات من ورق " فاقتضى ظاهر قوله : " في الرقة ربع العشر " إيجاب الزكاة في الحلي ، لأن الرقة والورق واحد . ويدل عليه من جهة النظر أن الذهب والفضة يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأعيانهما في ملك من كان من أهل الزكاة لا بمعنى ينضم إليهما ، والدليل عليه أن النقر والسبائك تجب فيهما الزكاة وإن لم تكن مرصدة للنماء ، وفارقا بهذا غيرهما من الأموال لأن غيرهما لا تجب الزكاة فيهما بوجود الملك إلا أن تكون مرصدة للنماء ، فوجب أن لا يختلف حكم المصوغ والمضروب . وأيضا لم يختلفوا أن الحلي إذا كان في ملك الرجل تجب فيه الزكاة فكذلك إذا كان في ملك المرأة كالدراهم والدنانير . وأيضا لا يختلف حكم الرجل والمرأة فيما يلزمهما من الزكاة ، فوجب أن لا يختلفا في الحلي . فإن قيل : الحلي كالنقر العوامل وثياب البذلة . قيل له : قد بينا أن ما عداهما يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأن يكون مرصدا للنماء ، فما لم يوجد هذا المعنى لم تجب ، والذهب والفضة لأعيانهما بدلالة الدراهم والدنانير والنقر والسبائك إذا أراد بهما القنية والتبقية لا طلب النماء . وأيضا لما لم يكن للصنعة تأثير فيهما ولم يغير حكمهما في حال ، وجب أن لا يختلف الحكم بوجود الصنعة وعدمها . فإن قيل : زكاة الحلي عاريته . قيل له : هذا غلط ، لأن العارية غير واجبة والزكاة واجبة ، فبطل أن تكون العارية زكاة . وأما قول أنس بن مالك : " أن الزكاة تجب في الحلي مرة واحدة " فلا وجه له ، لأنه إذا كان من جنس ما تجب فيه الزكاة وجبت في كل حول . فصل وقد دلت الآية على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بمجموعهما ، فاقتضى ذلك وجوب ضم بعضها إلى بعض . وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال أصحابنا : " يضم أحدهما إلى الآخر فإذا كمل النصاب بها زكي " . واختلف أصحابنا في كيفيته ، فقال أبو حنيفة : " يضم بالقيمة كالعروض " . وقال أبو يوسف ومحمد : " يضم بالأجزاء " . وقال ابن أبي ليلى والشافعي : " لا يضمان " . وروي الضم عن الحسن وبكير بن عبد الله بن الأشج وقتادة . والدليل على وجوب الزكاة فيهما مجموعين قوله تعالى : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) فأوجب الله تعالى فيهما الزكاة مجموعين ، لأن قوله : ( ولا ينفقونها ) قد أراد به إنفاقهما جميعا . ويدل على وجوب الضم أنهما متفقان