الجصاص

140

أحكام القرآن

في وجوب الحق فيهما وهو ربع العشر ، فكانا بمنزلة العروض المختلفة إذا كانت للتجارة لما كان الواجب فيها ربع العشر ضم بعضها إلى بعض مع اختلاف أجناسها . وقد قال الشافعي فيمن له مائة درهم وعرض للتجارة يساوي مائة درهم : " إن الزكاة واجبة عليه " ، فضم العرض إلى المائة مع اختلاف الجنسين لاتفاقهما في وجوب ربع العشر . وليس الذهب والفضة كالجنسين من الإبل والغنم لأن زكاتهما مختلفة . فإن قيل : زكاة خمس من الإبل مثل زكاة أربعين شاة ولم يكن اتفاقهما في الحق الواجب موجبا لضم أحدهما إلى الآخر . قيل له : لم نقل أن اتفاقهما في المقدار الواجب يوجب ضم أحدهما إلى الآخر ، وإنما قلنا أن اتفاقهما في وجوب ربع العشر فيهما هو المعنى الموجب للضم ، كعروض التجارة عند اتفاقها في وجوب ربع العشر وقت الضم ، والإبل والغنم ليس الواجب فيهما ربع العشر لأن الشاة ليست ربع العشر من خمس من الإبل ولا ربع العشر من أربعين شاة أيضا ، لأنه جائز أن يكون الغنم خيارا ويكون الواجب فيها شاة وسطا فيكون أقل من ربع عشرها ، فهذا إلزام ساقط . فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " وذلك يوجب الزكاة فيها سواء كان معها ذهب أو لم يكن . قيل له : كما لم يمنع قوله : " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " وجوب ضم المائة إلى العروض وكان معناه عندك : إذا لم يكن معه غيره من العروض ، كذلك نقول نحن في ضمه إلى الذهب . قوله تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) إلى قوله : ( حرم ) . لما قال تعالى في مواضع أخر : ( الحج أشهر معلومات ) [ البقرة : 197 ] وقال : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) [ البقرة : 189 ] ، فعلق بالشهور كثيرا من مصالح الدنيا والدين ، وبين في هذه الآية هذه الشهور ، وإنما تجري على منهاج واحد لا يقدم المؤخر منها ولا يؤخر المقدم ، وقال : ( إن عدة الشهور عند الله ) وذلك يحتمل وجهين ، أحدهما : أن الله وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السماوات والأرض وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة ، وهو معنى قوله : ( إن عدة الشهور عند الله ) وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها وتقديم المؤخر وتأخير المقدم في الأسماء منها ، وذكر ذلك لنا لنتبع أمر الله فيها ونرفض ما كان عليه أمر الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ما رواه ابن عمر وأبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بالعقبة : " يا أيها الناس إن الزمان قد استدار " قال ابن عمر : " فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " وقال أبو بكرة : " قد استدار