الجصاص

137

أحكام القرآن

وقوله تعالى : ( ولا ينفقونها في سبيل الله ) يحتمل أن يريد به : ولا ينفقون منها ، فحذف " من " وهو يريدها وقد بينه بقوله : ( خذ من أموالهم صدقة ) [ التوبة : 130 ] ، فأمر بأخذ بعض المال لا جميعه ، وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول إذ جائز أن يكون مراده : ولا ينفقون منها . وأما الكنز فهو في اللغة كبس الشئ بعضه على بعض ، قال الهذلي : لا در درى إن أطعمت نازلكم * قرف الحي وعندي البر مكنوز ويقال : كنزت التمر إذا كبسته في القوصرة ، وهو في الشرع لما لم يؤد زكاته . وروى عن عمر وابن عباس وابن عمر والحسن وعامر والسدي قالوا : " ما لم يؤد زكاته فهو كنز " فمنهم من قال : وإن كان ظاهرا ، " وما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا " ، ومعلوم أن أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا ، فثبت أن الكنز اسم لما لم يؤد زكاته المفروضة ، وإذا كان كذلك كان تقدير قوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) : الذين لا يؤدون زكاة الذهب والفضة ( ولا ينفقونها ) يعني الزكاة في سبيل الله ، فلم تقتض الآية إلا وجوب الزكاة فحسب . وقد حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي : حدثنا أبي : حدثنا غيلان عن جعفر بن إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) كبر ذلك على المسلمين فقال عمر : أنا أفرج عنكم ، فانطلق فقال : يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم " ، قال : فكبر عمر ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته " ، فأخبر في هذا الحديث أن المراد إنفاق بعض المال لا جميعه ، وأن قوله : ( والذين يكنزون ) المراد به منع الزكاة . وروي ابن لهيعة قال : حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك " . فأخبر في هذا الحديث أيضا أن الحق الواجب في المال هو الزكاة . وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى به جنبه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده " ، فأخبر في هذا الحديث أن الحق الواجب في الكنز هو الزكاة دون غيره وأنه لا يجب جميعه ، وقوله : " فيحمى بها جنبه وجبهته " يدل على أنه أراد معنى قوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) إلى قوله :