الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
562
نفحات الولاية
عن طيب نفس ورغبة وبصفتها امتثال لأمر اللَّه ونيل رضاه لتنطوي في ظلّ هذه الحالة على أثرين مهمّين ؛ أحدهما أنّها كفّارة للذنوب السابقة ، والآخر حجاب من نار جهنم . طبعاً ، من يؤدّي الزكاة مكرهاً ولا يسعه طرح حبّ المال من قلبه يكون قد أدّى التكليف ، ولكن لاحظ له من بركاتها المعنويّة والروحيّة والأخلاقيّة . قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « أَرْضُ الْقِيامَةِ نارٌ ما خَلا ظِلُّ الْمُؤْمِنِ فَإنّ صَدَقَتَهُ تُظِلُّهُ » « 1 » . وقد صرّح القرآن بأنّ إحدى صفات المنافق أنّه إن انفق شيئاً إنّما ينفقه كراهة ولذلك فهو لا يحظى بقبول اللَّه تعالى : « وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ . . . وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ » « 2 » . ثم خلص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة فقال : « فَلَا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ ، وَلَا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ « 3 » » . نعم ! فالناس صنفان ؛ صنف يؤدّي زكاته وسائر صدقاته في سبيل اللَّه بمنتهى الرضا ، وليس له هم سوى الفوز برضا اللَّه دون توقع أدنى شكر أو جزاء ممن يأخذ الزكاة والصدقة « انَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَانُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً » « 4 » ؛ أمّا الصنف التالي فذلك الذي يكون أداء الزكاة عنده كحالة الاحتضار ، وهولا ينفك يعيش حالة من القلق ، ليقول على الدوام : كم كان ثمين ذلك المال الذي زكيته وكم جهدت من أجل الحصول عليه ، ولو كان عندي اليوم لفعلت به كذا وكذا ، فهذا الصنف مصداق لما ذكره الإمام عليه السلام في العبارة المذكورة ، ولابدّ أن نرى هنا كيف يبيّن الإمام عليه السلام الآثار السلبيّة لذلك ، فقال : « فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النّفْسِ بِهَا ، يَرْجُوبِهَا مَا هُوأَفْضَلُ مِنْهَا ، فَهُوجَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ ، مَغْبُونُ الأَجْرِ ، ضَالُّ الْعَمَلِ ، طَوِيلُ النَّدَمِ » .
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 3 ، ح 6 . ( 2 ) . سورة التوبة ، الآية 54 . ( 3 ) . « لهف » بمعنى التأسف والندم والحزن . ( 4 ) . سورة الدهر ، الآية 9 .