الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
472
نفحات الولاية
والطيور والسباع وحيتان البحار ووحوش الصحارى والأنواع المذهلة للحشرات والأحياء الدقيقة لتعرف كلّ يوم على عجائب جديدة وغرائب شتى فيها ؛ والتي يكشف عنها كلّ يوم تطور العلم البشري ويعكس عجائب خلقتها بما يجعل الإنسان يعيش حالة من الذهول إزاء قدرة الخالق الحكيم ، وهذه هي الحقيقة التي تتضح يوماً بعد آخر في أنّه أسمى من الخيال والقياس والوهم ، بل أسمى من كلّ ما رأينا وقرأنا وكتبنا . ثم اتّجه عليه السلام صوب الاقرار بالشهادتين ليبيّن كلّ واحدة منهما بعبارات جديدة فقال : « وأَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ ، شَهَادَةَ إِيمان وإِيقَان ، وإِخْلَاص وإِذْعَان « 1 » » . فهذه العبارات الأربع ( إيمان وإيقان وإخلاص وإذعان ) تشير إلى أربع مراحل من العقائد الدينيّة ، فالإيمان هو المرحلة الأُولى حيث يقرّ الإنسان بشيء ثم يؤمن به رغم ما يثار حوله من شكوك وشبهات جزئية ؛ ولكن مرحلة الإيقان هي المرحلة التي يزول فيها تلك الشبهات والشكوك ويضحى فيها الإيمان القلبي شفافاً ومشرقاً . ومرحلة الإخلاص مرحلة نفي كلّ ما سوى اللَّه فلا يرى المؤمن سواه فيعشقه ويناجيه ويطلب منه ولا يلتفت إلى أحد غيره ، وأخيراً ترد مرحلة الإذعان التي تعني حسب أرباب اللغة الإقرار المقرون بالخضوع ، أي يظهر إيمانه في جميع أعماله وأقواله وتصرفاته ، فتصطبغ حياته بالصبغة الربّانيّة فيصبح مصداقاً لقوله تعالى : « صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً » « 2 » . ومن الطبيعي أنّ الإيمان واليقين والإخلاص كلّما تجذر في الإنسان كانت ثمرته النهائية تلك الأعمال . ولما فرغ عليه السلام من الشهادة للَّهبالوحدانيّة خاض في الشهادة بالرسالة مع ذكر بعض
--> ( 1 ) . « إذعان » من « ذعن » على وزن « وطن » بمعنى الخضوع والانقياد والطاعة ، ومن هنا كان في المرحلة الرابعة التي ذكرها الإمام عليه السلام في العبارة ، الإيمان واليقين والإخلاص ونتيجة ذلك الطاعة والانقياد . ( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 138 .