الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

315

نفحات الولاية

دَمِثَة « 1 » ، وعُيُون وَشِلَة « 2 » ، وقُرًى مُنْقَطِعَة ؛ لَايَزْكُو « 3 » بِهَا خُفٌّ « 4 » ، وَلَا حَافِرٌ « 5 » وَلَا ظِلْفٌ « 6 » » . فقد كشف الإمام عليه السلام بهذه الصفات الثمان لأرض مكة عن محروميّة هذه الأرض من مختلف الجهات ؛ فقد تحدّث بادئ الأمر عن وعورتها وصعوبتها بحيث يرى كلّ من تشرف بها أنّ بيت اللَّه واقع في وادٍ ضيق بين الجبال الشامخة والقاحلة والتي يصعب تسلقها ، حتى استطاعوا اليوم حفر العديد من الأنفاق والمنعطفات لشقّ الشوارع التي يمكنها اختراق تلك الجبال بغية مرور الناس عليها . ثم أشار عليه السلام إلى قلة التربة الصالحة للزراعة ؛ والحقّ أن كذلك ، حيث يضطرون اليوم لحمل التربة من المناطق القريبة والنائيّة إليها بغية غرس بعض الأشجار ، ثم تطرق عليه السلام إلى ضيق وديانها ، فنحن نعلم أنّ الوديان الواسعة التي تضم الأراضي الزراعيّة الصالحة للزراعة تعدّ من أفضل البقاع لمعيشة الإنسان ، والعديد من المدن الكبيرة إنّما تقع في مثل هذه الوديان ، بينما تتعذر الحياة والعيش بأي شكل من الأشكال في الوديان الضيقة . ثم أشار عليه السلام إلى جبال مكة الوعرة التي قلما ينموفيها نبات والرمال الناعمة التي يصعب السير عليها ، وتنقلها الرياح من مكان إلى آخر وعيونها قليلة المياه ، والمناطق المعمورة المتفرقة على تلك الصحارى الجرداء والتي تتوسطها ، ليتطرق بالتالي إلى عدم صلاحية تلك الأرض لتربية الحيوانات الأليفة كالجمل والبقر والشاة . حقّاً لو لم يكن بيت اللَّه وسط تلك الجبال فإنّ أحداً سوف لن يفكر أن تكون مكة موضع سكناه‌إلّا أنّ اللَّه تبارك وتعالى اختار هذه المنطقة كأفضل موضع للعبادة

--> ( 1 ) . « دمثة » من مادة « دماثة » بمعنى اللينة . ( 2 ) . « وشلة » بمعنى قليل الماء من « وَشْل » على وزن « حشر » . ( 3 ) . « يزكو » من « زكاة » بمعنى النموّ . ( 4 ) . « خف » تعني فيالأصل النعل وهي هنا كناية عن الدابة لأنّ أسفل قدمها كالحذاء . ( 5 ) . « حافر » من الحفر وتعني قدم الفرس . ( 6 ) . « ظلف » كناية عن البقر والغنم .