الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

316

نفحات الولاية

ودعى المستطيعين كافّة إلى التوجه إليها للإتيان بمناسك الحج بهدف تهذيب النفوس والقضاء على آثار الكبر والغرور . وهذه هي الحقيقة التي أذعن لها خليل اللَّه إبراهيم عليه السلام الذي أمر بإعادة بناء الكعبة حيث قال : « رَبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِى بِوَاد غَيْرِ ذِى زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ » « 1 » . وحين فرغ الإمام عليه السلام من ذكر موضع البيت وخصائص أرض مكة ، تطرق إلى شعيرة الحج وزيارة بيت اللَّه الحرام الذي بدأ منذ خلق آدم وسيستمر حتى نهاية الخليقة فقال : « ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ووَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا « 2 » أَعْطَافَهُمْ « 3 » نَحْوَهُ ، فَصَارَ مَثَابَةً « 4 » لِمُنْتَجَعِ « 5 » أَسْفَارِهِمْ ، وغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ « 6 » . تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ « 7 » قِفَار « 8 » سَحِيقَة « 9 » ومَهَاوِي « 10 » فِجَاج « 11 » عَمِيقَة ، وجَزَائِرِ بِحَار مُنْقَطِعَة » . فهذه العبارات الرائعة للإمام عليه السلام اقتباس من الآيات القرآنيّة الشريفة ، حيث اعتبر الإمام عليه السلام مكة بصفتها « مثابة » على غرار ما صرّح به القرآن الكريم : « وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً » « 12 » . كما عبّر عنها بالمنتجع ( الموضع الذي يقصد لتحقيق المنافع ) كما جاء في الآية القرآنيّة الشريفة : « لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ » « 13 » . والعبارة

--> ( 1 ) . سورة إبراهيم ، الآية 37 . ( 2 ) . « يثنوا » من مادة « ثنى » بمعنى طوي الشيء ، أو تقريب شيء من آخر . ( 3 ) . « اعطاف » جمع « عطف » على وزن « كتف » بمعنى كتف الانسان . ( 4 ) . « مثابة » مكان الرجوع « ثوب » على وزن « فوق » بمعنى العودة . ( 5 ) . « منتجع » يعنى محل الفائدة من « نجوع » بمعنى المنفع ولذلك يقال منتجع لمكان الراحة والمتنزّه أيضاً . ( 6 ) . « ملقى رحالهم » يعنى محط رحالهم ، من الأصل « إلقاء » و « رحال » جمع « رحل » . ( 7 ) . « مفاوز » جمع « مفازة » بمعنى الصحراء . ( 8 ) . « قفار » جمع « قفر » بمعنى خلو المكان من السكن . ( 9 ) . « سحيقة » بمعنى البعيدة من « سحق » على وزن « سقف » بمعنى التليين والتبعيد . ( 10 ) . « مهاوي » جمع « مهوى » منخفضات الأراضي من « هُوِيّ » على وزن « حُلِيّ » بضم « الحاء » وتشديد « الياء » ) بمعنى السقوط والوقوع . ( 11 ) . « فجاج » جمع « فج » بمعنى الطرق الواسعة بين الجبال من « فج » على وزن « حجّ » بمعنى فتح الساقين وتبعيدهما عن بعضهما . ( 12 ) . سورة البقرة ، الآية 125 . ( 13 ) . سورة الحج ، الآية 28 .