الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

74

نفحات الولاية

الإلهيّة ؟ ذلك لأنّ جميع الألفاظ الموضوعة لبيان الأوصاف إنّما ترتبط بصفات المخلوقين وهي صفات محدودة ومخلوقة . وبعبارة أخرى فإنّ ذات اللَّه المطلقة واللامتناهية من جميع الجهات متعذرة الإدراك من قبل عقولنا المحدودة ولا يسع ألفاظنا وأفكارنا بيانها والوقوف عليها ، وهذا ما أذهل العقول البشرية وحال دون ظفرها بالسبيل إلى معرفة تلك الذات ، طبعاً هذا لا يعني أننا نقول باستحالة معرفة البشر باللَّه ، أو بعبارة أخرى أننا لا نقول بتعطيل المعرفة ، بل المراد أنّ حظنا من العلم بتلك الذات المطلقة من جميع الجهات هو العلم الإجمالي الذي يسعنا الإشارة إليه من خلال آثاره وليس لدينا من علم تفصيلي بهذا الشأن . ولا تبدو هذه القضية عجيبة ، فعظمة اللَّه ممّا لا نقاش فيها . بل هنالك الكثير من مخلوقات عالم الإمكان التي نؤمن بها وتبدو واضحة لنا كالشمس ، غير أننا نجهل كنهها ، على سبيل المثال أننا نؤمن بوجود الروح ، ووجود الجاذبية والزمان والمكان ، لكن ما حقيقة كنه هذه الأمور ؟ إنّ هذه الأمور تعدّ من الأبحاث التي حظيت باهتمام الفلاسفة والحكماء وعلماء العلوم الطبيعية ولم يتفقوا لحد الآن على نقطة مشتركة ، بل أبعد من ذلك إننا لأقرب إلى أنفسنا من كل شيء ولكن ما زلنا نجهل الكثير من أسرار وجودنا ، حتى انبرى العالم الغربي « ألكسيس كارل » ليكتب كتابه « الإنسان ذلك المجهول » . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه ببيان صفة أخرى من صفات اللَّه - وهي تأكيد لما سبق - فقال « هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ ، لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلًا » . نعم ، فوجوده أظهر الأشياء وكنهه في غاية الخفاء وما تارة العين قد يكون خطأ الباصرة - الذي ذكر له العلماء عدّة أنواع - ولكن العلم بوجود اللَّه لأخطأ فيه . وإننا نشعر بحضوره في كل زمان وكل مكان وكل حال ، مع ذلك نحن حيارى في إدراك حقيقة ذاته ، وكلما تقدمنا خطوة في هذه المرحلة رجعنا خطوات إلى الوراء ، كما قال الشاعر : كُلَّما قَدَّمَ فِكرِي فِي * كَ شِبْراً فَرَّ مِيلا