الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
426
نفحات الولاية
اضطر الإمام عليه السلام ودفعاً للفرقة والانقسام ، إلى القبول بعدّة شروط ، منها ، عدم خروج الحكمين عن الحق والعدل . استغرقت المحادثات بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ، شهوراً عديدة حتى قال ابن العاص : ليخلع كلٌّ منّا صاحبه حتى يختار الناس خليفة . فأعلن أبو موسى هذا الجاهل والأحمق - عن خلعه للإمام علي عليه السلام من الخلافة ، ثم انبرى ابن العاص ليعلن نصبه لمعاوية . فشبّ النزاع بين القوم ، وقدم أولئك الذين أصرّوا على وقف القتال وقبول التحكيم واختيار الأشعري على الإمام عليه السلام واعترضوا عليه ، لم قبلت التحكيم ؟ قال الإمام علي عليه السلام : « فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ « 1 » عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ ، فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا « 2 » عِنْدَ الْقُرْآنِ ، وَلَا يُجَاوِزَاهُ ، وَتَكُونَ أَلْسِنَتُهُما مَعَهُ وَقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ » . فالإمام عليه السلام يشير إلى أنّ قبول التحكيم وإن حصل بفعل الضغط إلّاأنّه كان مشروطاً لا مطلقاً دون قيود وشروط بحيث يفعلون ما يشاؤون حسبما تمليه عليهم أهواؤهم ورغباتهم وينبغي أن يقبله الآخرون . فالشرط كان تبعية القرآن وعدم الانحراف عن تعاليمه ، إلّاأنّ الشيء الوحيد الذي غُيِّب في العملية ، إنّما كان القرآن ، فانطلق الأشعري الأحمق ليتصرف خلاف منطق الحق والعدل القرآني . ومن هنا قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه : « فَتَاهَا « 3 » عَنْهُ ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا ، وَالْإِعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا » . ثمّ أكد الإمام عليه السلام على شروط التحكيم ، فقال : « وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا » . فهل في القرآن الكريم آية تصرّح بضرورة خلع شخص كعلي عليه السلام الذي بنى صرح الإسلام بجهاده وتربى في حجر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والقرآن ، وكان مظهر الحق
--> ( 1 ) . « ملأ » تعني لغوياً ، ما يملأ العين ويثير إعجاب الناظر ، ومن هنا تطلق على الجماعة الكثيرة المتفقة في الرأيوالعقيدة والتي يملأ تجمعها العين ، ومادة هذه الكلمة وكلمة مملوء واحدة ( 2 ) . « يجعجع » من مادة ( جعجعة ) تطلق في الأصل على بروك البعير ، ثم استعملت بمعنى الخضوع والاستسلام ( 3 ) . « تاه » من مادة ( تيه ) بمعنى ، الحيرة والضلال