الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

177

نفحات الولاية

القسم السادس وَلَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونَ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ : « يَا فُلَانَةُ - لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيِّبِيهِ عَنِّي ، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا » . فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، وَلَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ، وَلَا يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ . وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ . الشرح والتفسير زهد النبي صلى الله عليه وآله تطرق الإمام عليه السلام في المقطع السابق من الخطبة بصورة عامة إلى زهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وضرورة الاقتداء والتأسي به ، إلّاأنّه بيّن هنا مصاديق ذلك الزهد والتواضع في حياته اليومية فأشار إلى سبعة مواضيع تكشف بجلاء عن مدى زهده وتواضعه « 1 » ، فقال : « وَلَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ ،

--> ( 1 ) . يستفاد من المطالعات التاريخية أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان عادة ما يركب أحداً خلفه ، أحياناً اسامة وأخرى الفضل‌بن العباس وسائر الأفراد من الصحابة حتى بلغ عددهم حسب ما أورده المؤرّخون 33 شخصاً ( انظر شرح العلّامة التستري لنهج البلاغة ، ج 2 ، ص 437 ) كما ورد في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يستقبله الأطفال حين يعود من المدينة فكان يأمر بإركابهم خلفه وأمامه ، وكان يوصي أصحابه بإركابهم ، فكانوا يفخرون بركوبهم على مركب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ( المحجة البيضاء ، ج 3 ، ص 366 )