الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
28
نفحات الولاية
بعضهم البعض الآخر ، يهرعون لاستقبال السنين التي تدر عليهم النعم والمنافع ، بينما كانوا ينزعجون من القحط والجدب ، كما كانوا يطوون المسافات القريبة والبعيدة لرؤية بعضهم البعض الآخر ، لكن دون خبر عن أوضاعهم وما عليه أحوالهم ، قبورهم متصلة متلاصقة مع بعضها ، إلّاأنّ المسافة بينهما كأنّها ما بين المشرق والمغرب ، ومن كان منهم يأن ليل نهار من عذاب البرزخ فلا يسمع أنينه أقرب مقربيه من صحبه من أهل القبور ، بل حتى لو سمع صراخه وألمه لما وسعه نجدته وتقديم العون له . وما أروع ما كان يردده الإمام السجاد عليه السلام حين مناجاته باكياً وهو يجسد ما أورده الإمام علي عليه السلام بهذا الشأن ، إذ كان يقول : وأضحَوا رِمِيماً فِي التُّرابِ وَاقفَرَتْ * مَجالِسُ مِنهُم عُطِّلَتْ وَمَقاصِرُ وَحَلُّوا بِدارٍ لا تَزاورُ بَينَهُم * وَأنّى لِسُكانِ القُبُورِ تَزاوُرُ فَما أن تَرى إلّاجُثىً قَدْ تَوَوا بِها * مُسَنَّمَةً تَسفِى عَلَيهِ الأعاصِيرُ « 1 » ثم واصل الإمام عليه السلام حديثه عن أصحاب القبور بأنّهم عقلاء قد ذهبت عداوتهم وخصومتهم ، وفي نفس الوقت هم جهّال قد طرحت أحقادهم وأضغانهم ، فلييس هناك ما يدعو للخشية من ضررهم وشرهم ، كما لا يؤمل أن يدافعوا عن أنفسهم ، فقد انسلخوا من ظاهر الأرض ليوطنوا باطنها ، فاستبدلوا بتلك السعة ضيقاً وبالأهل والوطن والنور غربة وظلمة : « حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ . وَجُهَلَاءُ قَدْ مَاتَت أَحْقَادُهُمْ ، لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ ، وَلَا يُرْجَى دَفْعُهُمْ ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْنَاً ، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً ، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً ، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً » . والعجيب في الأمر أنّه يصفهم في عبارة بالعقلاء ، ثم يردفها بالعبارة التالية بوصفهم بالجهلاء ، والواقع هو أنّهم جثث خاوية قد خلت من الأرواح ، فهم ليسوا بعقلاء ولا جهلاء ، بل وضعهم في موضع جعلهم أشبه بالعقلاء حيث زالت العداوة بينهم ، وفي موضع آخر تشبهوا بالجهلاء حيث ماتت بينهم روح الحسد ودوافعه ، فقد تغييرت جميع مفرداتهم في لحظة حيث استبدلوا بظاهر الأرض باطنها وبالدور الواسعة المنيرة المليئة بالأهل والعيال ، القبور الضيقة
--> ( 1 ) منها البراعة 8 / 25 ، وردت هذه الأشعار في حاشية بحار الأنوار بعنوان مناجاة للإمام السجاد عليه السلام نقلًا عنالبداية والنهاية ، لابن كثير ( بحار الأنوار 46 / 48 ) .