الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

29

نفحات الولاية

والمظلمة الموحشة الخالية من الصخب والضجيج . ثم إختتم حديثه عليه السلام بالقول : « فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا ، حُفَاةً عُرَاةً » « 1 » . والعبارة مستوحاة من الآية القرآنية الشريفة : « مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى » « 2 » . نعم كما خلق آدم عليه السلام من التراب ، كذلك أولاده سيعودن حفاة عراة إلى هذه الأرض على غرار ولادتهم وقدومهم إليها ، وإن حملوا معهم كفناً ، فهو ليس كذلك في الواقع ، إذا سرعان ما يبلى ويزول ولا يعدّ له من وجود ، بالتالي سيودع هذا الإنسان شاء أم أبى يوماً كل ما جمعه من أموال وأعدّ لنفسه من قصور ودور فارهة وحدائق ومراكب وإمكانات ووسائل ، لينزل تلك الحفرة حافياً عرياناً وعليه أن يستعد لتلك الظلمة والوحشة . نعم ، الشيء الوحيد الذي يحمله معه هو عمله والذي قد يكون أحياناً وبالًا عليه وأعظم بلاء يصيبه ، وهو الأمر الذي أكّده الإمام عليه السلام فقال : « قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقيَةِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : « كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ » « 3 » » . فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار في ختام هذه الخطبة إلى نقطتين : الأولى : عودة الإنسان إلى الأرض كما خلق منها . والثانية : النشأة الجديدة في الآخرة . ثم استشهد عليه السلام بالآية القرآنية الكريمة : « كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ » ، لكي لا يبقى أدنى مجال للشك في حقيقة عودة الإنسان إلى التراب الذي خلق منه فيرى هناك جزاء أعماله من ثواب أو عقاب .

--> ( 1 ) اختلفت أقوال شرّاح نهج البلاغة لهذه العبارة ، ويبدو الأنسب هو ما أوردناه سابقاً . ( 2 ) سورة طه / 55 . ( 3 ) سورة الأنبياء / 104 .