الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
78
نفحات الولاية
الخلافات التي يفرزها سوء التعامل . وذا لم يحسد بعضهما البعض الآخر لاجتث العامل المهم الآخر من عوامل الخلاف والشقاق . وإن طرحوا عنهم الشكوك في مختلف المسائل وتعاملوا مع ما يواجههم استناداً إلى العلم والمعرفة لحد من نسبة الخلاف . وأخيراً لو أذعن الجميع لاختلاف الأفكار والتوجهات وتشعب الأذواق والآراء لقل حجم التقاطع والانفصال ، فقد شاء اللَّه أن يخلق الناس على أنواع واختلاف في الأفكار والتطلعات ، ولو هم كل أحد بفرض آرائه على الآخرين ، فمن اليقين لتعذر عيش شخصين إلى جانب بعضها دون بروز حالة من التوتر والاضطراب . صحيح أن ليس للملائكة من شهوات كما للإنسان ، وأنّ أغلب دوافع الذنب والمعصية ليست متوفرة فيهم . إلّاأنّهم على كل حال قد زودوا بالعقل والشعور والاختيار وحب الذات والقدرة على المعصية والتمرد على الطاعة . إلّاأنّ عرفان الملائكة باللَّه حال دون ارتكابها للذنب ؛ وذلك أنّ مقارفتها للذنب والمعصية كلما كانت متعذرة ، كانت جديرة بكل هذا المدح والتمجيد وجعلها أسوة للاقتداء بها من قبل الناس . وبناء على هذا فانّ الإنسان إذا بلغ هذه الدرجة من الكمال والمعرفة كان له أن يصون نفسه من التلوث بالذنب . ثم قال عليه السلام : في ختام الكلام على سبيل نتيجة قصيرة بليغة « فهم اسراء ايمان لم يفكهم من ربقته زيغ « 1 » ولا عدول ولا وني « 2 » ولا فتور » ، فالتعبير بالاسراء والربقة ( الحبل ذو الحلقات المتعددة ) يفيد مدى التزام الملائكة بالإيمان ، فقد سبحوا في بحار معرفة اللَّه وسلموا لذاته المطلقة وكأنّهم لفوا أعناقهم بطوق محكم من الإيمان ، ولا يستطيع أي عامل أن يرفع هذا الطوق من أعناقهم ، ولو عاش الناس مثل هذا التسليم للحق والالتزام بالإيمان ، لما وسع دوافع الذنب والمعصية أن تتسلل إلى وجودهم قط . ثم اختتم الإمام عليه السلام كلامه بهذا الشأن بالحديث عن مسألة أخرى وهى كثرة الملائكة وسعة معرفتها ، حيث يختتم هنا شرحه لصفات الملائكة ، بحيث لا يوجد ، أدنى موضع في السماء إلّاوقد شغل بملك ساجد ، وآخر ساع حافد منهمك في أداء مسؤوليته ، ومن شأن هذه الطاعة أن تضاعف معرفتهم لربّهم ، كما تزداد عزة ربّهم في قلوبهم عظمة :
--> ( 1 ) « زيغ » من مادة « زيغ » على وزن فيض الاعوجاج . ( 2 ) « ونى » من مادة « ونى » بمعنى الضعف كما مر علينا سابقاً .