الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
نفحات الولاية
المتبوعين إذ يقولون تاللَّه إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين » . فهذه العبارات إشارة واضحة إلى ضلال المجسمة أو المشبهة وشركهم وكفرهم ، حيث جعلوا اللَّه جسماً ذا أعضاء ويد ورجل وعين واذن فهووا وافي وادى التشبيه ليروه سبحانه مخلوقاً ضعيفاً وعاجزاً فانياً ، حتى عبر عنهم القرآن في الآية الشريفة بأنّهم على ضلال مبين . والعبارة : « من شبهك بتباين أعضاء خلقك » إشارة إلى من له جسم ، وجسمه مركب من أعضاء مختلفة . والعبارة : « تلاحم حقاق مفاصلهم » إشارة إلى الارتباط السائد بين الأعضاء وبناء على هذا فانّ أعضاء البدن منفصلة عن بعضها البعض ومنظمة مع بعضها أيضاً ، وهذا من حكمة اللَّه في خلقه المخلوقاته ، بحيث لولا اشتماله على الأعضاء المختلفة لتحددت أعمالها ، كما لو كانت منفصلة تماماً لتعذر تعاضدها وتعاونها في القيام بانشطتها وفعالياتها . كما أنّ البارئ بحكمته ولطفه قد أخفي هذا الارتباط بين الأعضاء تحت طبقات اللحم ليصونها من مختلف الحوادث الخارجية . ولا يمكن تصور هذا الأمر إلّافي عالم الخليقة ، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً ، فهو منزه عن الأجزاء والأعضاء ولا يحتاج إلى الجسم . فالإمام عليه السلام يشير إلى أنّ هؤلاء الأفراد الجهال قد إصيبوا بثلاثة انحرافات : الأول : عدم معرفتهم الحقيقية للَّه ، الثاني : عدم اعتقادهم بوحدانيته ، الثالث : أنّهم لم يسمعوا آيات القرآن ولم ينفتحوا على تعليمات هذا الكتاب السماوي ، ومن هنا شهدوا على أنفسهم بأنّهم « فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . أمّا يوم القيامة حين ترفع الحجب وتتضح الحقائق سرعان ما يقفون على خطأهم ، فيتبرأ التابع من المتبوع ويلعن بعضهم بعضا ولا يملكون سوى الندم والخجل يوم لا ينفع الندم ؛ الأمر الذي ورد بشكل صريح في هذه الخطبة . الجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام قد نسب كلامه السابق إلى الناس ، ثم انتقل هنا إلى اللَّه ؛ الأمر الذي ينبه إلى خطورة القضية التي حذر منها لأنّ التأمل في الكلام يتوقف على درجة ومكانة المخاطب فكيف به إذا صدر من المشفق . ثم واصل عليه السلام الحديث عن طائفة أخرى من المنحرفين - أي المشركين والوثنيين الذين يعدون جزء من المشبهة - فقال « كذب العادلون « 1 » بك ، إذ
--> ( 1 ) « عادل » مادة « عدل » على وزن قشر بمعنى المعادل والشبيه والنظير والعادلون بك الذين عدلوا بك غيرك ، أي سووه بك وشبهوك به .