الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
33
نفحات الولاية
شبهوك بأصنامهم ، ونحلوك « 1 » حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزأوك تجزئة المجسمات ، بخواطرهم ، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح « 2 » عقولهم » فقد نفي الإمام عليه السلام بهذه العبارات الرصينة القاطعة - والتي بينت بأربع صور - كافة أنواع الشرك والتشبيه للَّه سبحانه بمخلوقاته ، وتحذر الجميع من السقوط في مستنقع الشرك والتشبيه ، إلى جانب تعيين الحد الفاصل بين توحيد الموحدين وشرك المشركين . فقى العبارة الأولى نفي التشبيه بالأصنام . والعبارة الثانية صرحت ببطلان اضفاء صفات الزينة للمخلوقات على اللَّه ( من قبيل وصفه من بعض الجهال بأنّه فتى جميل أمرد له شعر مجعد ) . والعبارة الثالثة التي تنفي عنه التركب من الأجزاء والأعضاء من قبيل اليد والرجل . والعبارة الرابعة سذاجة الاعتقاد باتصافه بمختلف الحواس ( التي لمخلوقاته ) من قبيل الباصرة والسامعة والشامة وهكذا تتحطم معاقل الشرك من مختلف الجوانب . تأمّل : من هم المجسمة ؟ تطلق المجسمة ( بكسر السين ) على من نسب الجسمية للَّهو هم الذين يقولون بأنّ له يد ورجل واذن وعين ، كما يقال لهؤلاء المشبهة بكسر الباء ، وذلك أنّهم يشبهون اللَّه سبحانه بمخلوقاته المادية . ويبدو أنّ مثل هذا الاعتقاد كان سائدا بين أفراد البشر منذ قديم الزمان حيث جعلهم قصر فكرهم يعجزون عن تصور ما وراء هذه الطبيعة المادية ، حتى ألفوا الماديات والجسام فظنوا أنّ اللَّه سبحانه مثلهم أو كسائر الأجسام المادية . ومن هنا نشأ الاعتقاد بسائر المعبودات كالشمس والقمر والكواكب وسائر أجسام المشابهة . ويفيد تأريخ اليهود رسوخ عقيدتهم بجسمية الحق سبحانه وتعالى ، ومن ذلك مدى اصرارهم على نبيهم موسى عليه السلام في أن يريهم اللَّه سبحانه جهرة ولا تخفي علينا قصة جبل الطور والصاعقة التي
--> ( 1 ) « نحلوا » من مادة « نحل » بمعنى الهبة والعطية ، وحلية المخلوقين صفاتهم الخاصة بهم من الجسمانية ومايتبعها . ( 2 ) « قرائح » جمع « قريحه » تعنى في الأصل أول ماء يسحب من البئر ، ثم أطلقت على النتاجات الفكريةوالذوقية للإنسان .