الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
224
نفحات الولاية
خاطب بها الأموات ممن دفنوا ظهر الكوفة : « أنتم لنا فرط سابق ، ونحن لكم تبع لاحق » « 1 » . ثم خاض عليه السلام في بيان هذا الكلام بعبارات أدق وأوضح وتحليل دقيق وبليغ بعد أن قسم أحوال أهل الدنيا في مصابهم بالحوادث إلى سبعة أقسام ليقول : « أولستم نزون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال مشتى : فميت يبكي ، وآخر يعزى ، وصريح مبتلى ، وعائد « 2 » يعود ، وآخر بنفسه يجود « 3 » ، وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ؛ وعلى أثر الماضي مايمضي الباقي » . يا لها من عبارات رائعة وشاملة عظيمة الثأثير إذا استطاع الإنسان أن يتمثل صورها للناس وهم يتحركون ؛ فهذا يموت ويبكى عليه ، وهنالك مجلس للعزاء تتوافد عليه الناس جماعات ليعزوا ذوي الفقيد . وهناك من رقد على فراش المرض وقد عاده جمع من الاخوة والأصدقاء . وهناك من يعالج سكرات الموت ويحتضر وليس لأحد أن يفعل له شيئاً . وهناك صورة أخرى يطالعك فيها الناس وهم يسارعون في الركض والحركة دون الالتفات إلى الحلال والحرام والمشروع والممنوع بغية الحصول على شيء من حطام الدنيا ؛ بينما كمن لهم الموت في الطريق ؛ وإذا به يباغتهم ليقضي على جميع آمالهم وأحلامهم . وبالتالي هناك فئة غافلة مشغولة بالذائذ العيش وسكر النعم والفرح والسرور دون أن تلتفت إلى الموت الذي ينتظرها ؛ فإذا هجم الموت على أحدهم أحال فرحهم حزناً وغماً . هذه هي صور الحياة السائدة طيلة تاريخ البشرية وستكون كذلك ، ويا لها من صور تنطوي على الدروس والعبر ، إلّاأنّ القلة القليلة من تعتبر .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، كلمات القصار 130 . ( 2 ) « عائد » من يذهب لعبادة أحد . ( 3 ) « يجود » من مادة « جود » السخاء ، وتستعمل في الاحتضار وكأنّ الإنسان يسخو بأنفس ما لديه وهى روحه .