الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

171

نفحات الولاية

« بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ ، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِليُّةُ الْجَهْلَاءُ ؛ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الأمْرِ ، وَبَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ ، فَبَالَغَ صَلِّى اللَّهُ عَلَيهِ وآلِهِ فِي النَّصِيحَةِ ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » . الشرح والتفسير النور الذي كشف الظلمة خاض الإمام عليه السلام كراراً في خطبه في نهج البلاغة بشأن أوضاع الجاهلية التي كانت عليها العرب ، حيث رسم صورة واضحة عن دقائق تلك الفترة ، ليلتفت الناس في عصر الإمام عليه السلام ممن لم يدرك ذلك العهد إلى عظمة الدعوة الإسلامية ، وليعلموا حجم التغيير الذي حدث في المجتمع ، فيتعرفوا أكثر على منزلة النبي صلى الله عليه وآله وعظم قدره ؛ وذلك لأن مثل هذا العمل الجبار إنّما يتطلب إرادة حديدية وعزماً راسخاً وتدبيراً عالياً وبرامج وخطط واضحة ، جمعت كلها في شخص النبي صلى الله عليه وآله . فقد بين الإمام عليه السلام وضع العصر الجاهلي بسبع عبارات ، أشار في العبارة الأولى والثانية إلى أنّ الله بعث النبي صلى الله عليه وآله حين كان الناس يعيشون الحيرة والضلال ويسبحون في بحر من الفتن : « بعثه والناس ضلال في حيرة ، وحاطبون في فتنة » . لا شك أن الإنسان يمكنه أن ينقذ نفسه من الضلالة ما لم تكن مقرونة بالحيرة والتخبط كالذي ضل الطريق ثم اكتشفه من خلال بعض القرائن والعلامات ؛ إلّاأنّ المشكلة تبدو معقدة إذا اقترنت الضلالة بالحيرة ، وهذا هو الوضع الذي كان عليه الناس في الجاهلية . والحاطب تطلق على من يجمع الحطب . فالناس في عصر الجاهلية وفي ذات الوقت الذي يعيشون فيه الفتن ، كان يزيدون من حطب نيران هذه الفتن . ثم قال عليه السلام في العبارة الثالثة والرابعة : « قد استهوتهم الأهواء ، واستتنزلتهم الكبرياء » .