الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
نفحات الولاية
فمن البديهي أن تقود الأهواء المجتمع إلى مستنقع الضلالة ، فإذا رافقها العجب والخيلاء لسقط في ذلك المستنقع . ثم قال عليه السلام : « واستخفتهم الجاهلية الجهلاء ، حيارى في زلزال من الأمر ، وبلاء من الجهل » . وهكذا يتجسم بؤس هؤلاء القوم وشقائهم في الجهل والضلال والأهواء والافتتان والتكبر ؛ الرذائل التي تكفي كل واحدة منها في سقوط المجتمع ، فضلاعن جمعها مع بعضها فيه . ومن هنا يتبيّن مدى حجم مشاكل عصر الجاهلية وتعقيدها وتهديدها للمجتمع ، كما يتضح على سبيل اليقين أنّ من يتغلب عليها ، إنّما استند إلى التأييد الإلهي والغيب والامداد . ثم أشار عليه السلام في آخر الخطبة إلى جهود النبي صلى الله عليه وآله ومدى نصحه للقوم بذلك الأسلوب الروحي الذي يستند إلى الوحي السماوي حتى نفذ إلى القلوب : « فبالغ في النصيحة ، ومضى على الطريقة ، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة » . فالواقع أن عناصر تقدم البعثة النبوية والتطور الذي أحرزه النبي صلى الله عليه وآله على صعيد الرسالة إنّما يكمن في أربع : الأول : النصح وإرادة الخير ، بحيث أيقن الناس أنّه يسعى جاهداً من أجل نجاتهم . الثاني : كان ممن قرن القول بالعمل ، فيأتمربما يأمر وينتهي عما ينهى . الثالث : قد دعا أولئك الناس الذين أصيبوا بالجهل والخرافة والحيرة والضلال إلى العلم والمعرفة . وأخيراً كان يدعوا إلى ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمات الرقيقة التي تخترق القلوب . وقد ذكر البعض من شرّاح نهج البلاغة تفسيراً آخر للعبارتين الآخيرتين ، وهو أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يدعو الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، كما ورد ذلك في الآية الشريفة : « أُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ » « 1 » « 2 » . إلّا أنّ التفسير الأول يبدو أنسب من خلال الالتفات إلى العبارات السابقة التي اعتبر
--> ( 1 ) سورة النحل / 125 . ( 2 ) بحسب هذا التفسير فان « إلى » جاءت بمعنى « به » ، أو أن الذي يأتي بعد « إلى » يجب ان يكون مقدراً ، « إلى ربه بالحكمة » .