الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

نفحات الولاية

والمصائب ؛ فالنعمة وسيلة للإمتحان ، كما المصيبة امتحان من نوع آخر . فهل تطغي النعمة الإنسان أم تشده إلى اللَّه ، وهل يؤدي شكر النعم عملًا فضلًا عن شكرها لساناً ؟ وهل يستشعر قلبه اليأس حين المصيبة ويشكو ربه ، أم يصبر عند المصاب ويشكر ؟ فالإنسان يعيش الامتحان في هذين الأمرين كل يوم طيلة حياته في الدنيا ، وهذا قانون خالد انبثق منذ خلق آدم عليه السلام وسيستمر إلى يوم القيامة ، فقد قال القرآن الكريم بهذا الشأن : « أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ » . « 1 » ثم قال عليه السلام في الأمر الرابع : « فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه » . ثم واصل كلمه قائلًا : « وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه ، وأقاموا فيه » والعبارة إشارة إلى النظرتين المعروفتين في نهج‌البلاغة ، النظرة إلى الدنيا كوسيلة والأخرى كغاية ؛ فان كانت إمكانات هذه الدنيا والأموال والثروات والنعم والمقام والجاه وسيلة لنيل السعادة والحياة الأخروية الهنيئة فليس هناك أفضل منها ، وإن كانت صنماً يسجد له الإنسان فليس هناك أسوأ منها . فالنظرة الأولى تسوق الإنسان إلى الورع والتقى والطهر والعفاف بينما تدعوه النظرة الثانية إلى الحرص والطمع والظلم والذلة والهوان . والنظرة الأولى تحيل النعم الدنيوة الفانية إلى نعم أخروية باقية ، في حين تكون النظرة الثانية سبباً لزوال النعم وبقاء التبعات . ومن هنا تتضح علية مدح الدنيا في أغلب الآيات والروايات ، إلى جانب ذمها في البعض الآخر . فلعل البعض يفسر ذلك بالتناقض للوهلة الأولى ، بينما كل واحدة منها صحيحة في مكانها وكأنّ الواحدة منها مكملة للُاخرى ، فالمدح يرتبط بالدنيا الوسيلة ، والذم بالدنيا الهدف والغاية . وسنعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في الأبحاث القادمة ذات الصلة . وأخيراً يكشف الإمام عليه السلام اللثام عن حقيقة الدنيا ليشبهها بفي الظل الذي يمر سريعاً فقال : « فإنّها عند ذوي العقول كفيء الظّلّ ، بينا تراه سابغاً « 2 » حتّى قلص ، « 3 » وزائداً حتّى نقص »

--> ( 1 ) سورة العنكبوت / 2 - 3 . ( 2 ) « سابغ » من مادة « سبوغ » بمعنى الامتداد ، ونعمة سابغة تطلق على النعم الدائمة الممتدة ، واسباغ الوضوءمواصلته بالماء دون الاسراف . ( 3 ) « قلص » من مادة « قلوص » على وزن خلوص بمعنى إنقبض وارتفع ، وفى الخطبة بمعنى زوال الظل بحلول عتمة الليل .