الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

19

نفحات الولاية

فقد ورد ا لظل بمعناه المطلق سواء ظل الأشياء قبل الزوال أو بعده ، وبطلق أحياناً على ما قبل الظهر خاصة الذي تزيله الشمس تدريجياً ، أما « في » فهي تعني الظل بعد الزوال ( لأن مفهوم هذه المفردة يتضمن الرجوع والعودة ) الذي يتسع كلما اقتربت الشمس من أفق المغرب ويزول إثر غروب الشمس وحلول الظلمة . وكأنّ الإمام عليه السلام أشار إلى حقيقة مهمة وهى أن أصحاب الدنيا يجمعون الأموال والثروات كل يوم بحيث تزداد كلما اقترب عمرهم من نهايته ، إلّاأنّها تزول وتنعدم من الوجود بغروب شمس العمر ، وتنتهي كل هذه الثروات بحلول ظلمة الموت . ونختتم تفسير هذه الخطبة بالقول أنّ الإمام عليه السلام دائم التحذير من مغبة التعلق بالدنيا والاغترار بها وفضحها بمختلف الطرائف والأمثال وذلك للأسباب التالية : أولًا : أنّ حبّ الدنيا والاغترار بها يمثل مادة الذنوب والمعاصي ؛ الأمر الذي يجعل القائد الرباني محذراً أتباعه وملفتا إنتباههم إلى عظم هذا الخطر على الدوام ، وثانياً : شهد عصر الإمام عليه السلام وما سبقه بعض الفتوحات الإسلامية التي درت على المجتمع الإسلامي ما لا يحصى من الغنائم والثروات والإمكانات ؛ الأمر الذي جعل أفراد الامّة تعيش حالة من السباق للتكالب على هذا الحطام ، وهذا ما أفرز حالة من الانحراف والاختلاف والتشتت والابتعاد عن التواضع في الحياة والاقبال على الراحة والدعة والضعف أمام العدو من خلال التقاعس عن الجهاد ، ومن هنا كان الإمام عليه السلام لا يرى أدنى فرصة إلّاواغتنمها من أجل إعادة الامّة إلى مسارها الإسلامي الصحيح . وقد وعظهم بسيرته وحياته قبل وعظهم بلسانه .