الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

66

نفحات الولاية

وأخلاقها ، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى تعب الطرفين وسئم كل منهما الآخر . وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد استطاع النهوض بزعامة الأقوام الجاهلية ، فانّما ذلك لأنّهم أقروا بأهدافه ومبادئه في التربية وقد كيفوا أنفسهم مع سننه وخلقه . ومن هنا فانّ الأنبياء الذين لم يوفقوا في هذا الأمر ملوا أتباعهم ، كما أنّ أقوامهم هي الأخرى لم تكن تطيق تحملهم . ولا يفوتنا هنا ضيق ذرع قوم لوط بنبيهم لطهارته وعفته « أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ » . « 1 » ثم دعا عليهم قائلًا : « فأبدلني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شراً مني » . فهم ليسوا أتباعاً جديرين بهذا الإمام ، ولم يعد إماماً مناسباً لهم ، فالحكمة الإلهية تقتضي أن يخرجوا مسودي الوجوه من هذا الامتحان بعد أن تسلب منهم هذه النعمة الإلهية فيعشوا أنواع الهوان والذل . وما أسرع ما استجيب دعاء الإمام عليه السلام ، فقد تسلط عليهم بنو أمية ليرتكبوا بحقهم ما قل نظيره أو انعدم في التأريخ والعجيب ما ورد في بعض التواريخ الإسلامية من أنّ الحجاج قد ولد « 2 » آنذاك ، وبالطبع فانّ أهل العراق والكوفة قد دفعوا ثمن جرائمهم وتخاذلهم قبل ذلك ، إلّاأنّها بلغت ذروتها على عهد الحجاج . طبعاً ليس المراد بالعبارة « أبدلم بي شراً مني » أنّي سئ ولكن سلط عليهم من هو أسوأ منّي . بل هي مقارنة تطلق على الخير المطلق والشر المطلق ، فقد جاء في القرآن سورة الفرقان بعد أنّ أشار إلى شدة عذاب جهنم قائلًا : « قُلْ أَذ لِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ » . وبعبارة أخرى لم يكن أهل العراق والكوفة آنذاك أخيار ليسأل الإمام عليه السلام اللَّه أخير منهم ، ولا الإمام عليه السلام - والعياذ باللَّه - كان سيئاً ليسلط اللَّه عليهم من هو أسوأ منه ، ففي مثل هذه الموارد تفقد صيغة أفعل التفضيل مفهومها العادي وترد للمقارنة بين شيئين متضادين . ويبدو أن هذا الدعاء شبيه الدعاء الذي ابتهل به نبي اللَّه نوح عليه السلام على قومه بعد أن يئس من صلاحهم « رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّاراً » « 3 » . ثم قال عليه السلام : « اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح

--> ( 1 ) سورة الأعراف / 82 . ( 2 ) منهاج البراعة 3 / 358 . صرح المسعودي - من المؤرخين المشهورين - أنّ الحجاج ولد عام 41 ه وتوفيعام 95 وله من العمر 54 سنة . ( 3 ) سورة نوح / 26 .