الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

67

نفحات الولاية

في الماء » . لعل المراد بموث قلوبهم ( بمعنى ذوبانها ) هو هجوم الهموم والغموم عليها بحيث تجرح عواطفهم الإنسانية إلى درجة يقال ذاب القلب ، فقد ورد شبيه هذا المعنى في خطبة الجهاد رقم 27 إذ قال عليه السلام : « واللَّه ، يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم » . ومن الواضح أنّ المراد بذوبان القلب ضياع العقل والفطنة والدراية والحكمة . فمفهوم العبارة : خذ عقولهم وحكمتهم لهذا النفاق والعصيان فيعيشوا الحيرة والاضطراب في حياتهم . وقد ورد التعبير عن القلب بمعنى العقل والحكمة أو وعاء العقل والحكمة في عدة آيات وروايات ، ومن ذلك ما ورد في الآية 25 من سورة الأنعام : « وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ » . والواقع أن من أعظم العقوبات الإلهية - التي أوردها القرآن الكريم والروايات بالنسبة للأفراد من أهل النفاق والمعصية - هي الا يرى الإنسان الحقائق ولا يدركها كما هي ، فيعيش القلق والحيرة والضلال . ثم يختتم الإمام عليه السلام خطبته بالقول : « أما - واللَّه - لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم . ثم تمثل بقول الشاعر : هنالك لو دعوت أتاك منهم * فوارس مثل أرمية الحميم ثم نزل الإمام عليه السلام من المنبر : قال السيد الشريف : أقول : « الارمية » جمع « رمى » وهو السحاب والحميم ، هاهنا وقت الصيف . وإنّما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفولًا ولا أسرع خفوفاً ؛ لأنّه لا ماء فيه . وإنّما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء ، وذلك لا يكون في الأكثر إلّازمان الشتاء ، وإنّما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا ، ولا إغاثة إذا استغيثوا ، والدليل على ذلك قوله : هنالك لو دعوت أتاك منهم . بنو فراس بن غنم هم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ، حي مشهور بالشجاعة ، منهم علقمة بن فراس وهو جذل الطعان . ومنهم ربيعة بن مكدم بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس الشجاع المشهور ، حامي الظعن حياً وميتاً ، ولم يحم الحريم وهو ميت أحد غيره ؛ عرض له فرسان من بني سليم ، ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعتهم ، فرماه نبيشة بن حبيب