الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
نفحات الولاية
قانوناً جامعاً يشتمل على أربعة بنود من شأنها ضمان السعادة النجاة : الأول : مراعاة التقوى وخشية اللَّه . الثاني : الحركة نحو اللَّه من خلال الفرار منه إليه سبحانه . الثالث : الثبات على النهج الإيماني وسلوك السبيل الصحيح نحو اللَّه . الرابع : العمل بالتكاليف والوظائف الدينية التي أمر بها الشارع المقدس . قد يقال أنّ الوصايا الأربعة استهلت بفاء التفريع فما علاقتها بصدر الخطبة الذي تحدث عن العزم الراسخ في مجابهة مخالفي الحق وقتالهم ؟ والجواب على هذا السؤال واضح ، لأنّ قتال هذه الطائفة المنحرفة الجائرة إنّما يتطلب جنوداً أشداء مؤمنين من ذوي العزم والإرادة ، وكأنّ الإمام عليه السلام أراد أن يعدّ أصحابه للوقوف بوجه أصحاب الباطل . جدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام عبّر عن التكاليف بقوله « ما عصيه بكم » ( التكاليف التي كلّفتم بها وأمركم بأدائها ) ، ومفهوم العبارة هو أنّ الوظائف الإلهية ليست من الأمور التي يستطيع الإنسان إهمالها وعدم الإكتراث لها ، بل هي طوق في رقبته ودين في ذمته لابدّ له من أدائه . يذكر أنّ هذه التعبيرات قد وردت في أغلب الآيات والروايات التي تشير إلى أنّ الإنسان إنّما يتحرر من القيود إذا ما أدّى هذه التكاليف والوظائف . وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام خطبته بضمانة النصر والغلبة والعاقبة الحسنة لأصحابه في خوضهم القتال ضد تلك الطائفة الضالة عن الحق ، النصر الذي سيفوزون به في الدار الآخرة لا محالة إذا تعذر في دار الدنيا « فعلىٌّ ضامن لفلجكم آجلًا إن لم تمنحوه عاجلًا » . وهذا هو المنطق القوي والرصين الذي اعتمده القرآن في مخاطبته لأتباعه في تصديهم لأعداء الحق بأنّهم منتصرون غالبون مهما كانت نتيجة القتال : « قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلّا إِحْدى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتُرَبِّصُونَ » « 1 » ومعلوم أنّ الجنود الذين يرون أنفسهم منتصرين في جميع الأحوال وأنّ عدوهم مهزوم ، إنّما يقاتلون بمعنويات عالية دون أن يشعروا بأدنى خوف أو خطر ممّا ستفرزه أحداث القتال . فيرى أغلب العلماء والمفكّرين أنَّ الإيمان بهذا المبدأ - النصر أو الشهادة - هو العامل الرئيسي الذي يقف وراء
--> ( 1 ) سورة التوبة / 52 .