الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

49

نفحات الولاية

الانتصار الذي يشعر به المسلمون في جبهات القتال رغم عدم الموازنة في القوى والتكافئ في العدة والعدد مع جيوش الأعداء . وهذا هو المبدأ الذي ينبغي أن يجعله العالم الإسلامي اليوم نصب عينيه في مجابهته لعالم الكفر فلا ينبهر بإمكاناته وتجهيزاته الزائفة . والحق أنّ هذا المبدأ لا يحصل إلّافي ظل الإيمان والورع والتقوى وخوف اللَّه . فصل في الضعف والمساومة إنّ من الفوارق الأساسية بين الساسة الربانيين والساسة العاديين إنّما يكمن في أنّ ساسة الدنيا لا يتورّعون عن أيّة وسيلة من أجل تحقيق أطماعهم وأغراضهم الشخصية ، وغالباً ما يساومون العدو على المبادئ الإنسانية ومصالح مجتمعاتهم ويتجاهلون الحق والعدالة ، بغية حفظ مواقعهم السياسية والاجتماعية ، في حين ليست هنالك من مساومة في قاموس الساسة الربانيين ، بل غالباً ما يضحي هؤلاء بمواقعهم الحساسة حرصاً على حفظ المبادئ ورعاية للحق والعدل والقسط ؛ الأمر الذي نلمسه بوضوح في سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وتلميذه أمير المؤمنين علي عليه السلام . فما أكثر الأفراد الذين اعترضوا على سياسة علي عليه السلام من قبيل استمالة الآخرين عن طريق التمييز في العطاء من بيت مال المسلمين : أو الإبقاء على معاوية في حكومة الشام ، دون أن يحدثوا أنفسهم بالأساليب التي يتبعها معاوية في حكومته للناس أو المبادئ التي سيعبر عليها في هذه الحكومة ! أو الاقتراح الذي طرحه عليه عبد الرحمن بن عوف في الشورى بتسليمه مقاليد الأمور شريطة العمل بسياسة الشيخين ، أو تفويض طلحة والزبير ولاية البصرة والكوفة . وقد اقترح من قبل ، على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعض الاقتراحات من قبيل اقتضاء المصلحة لطرده الضعفاء والمستضعفين . فأولئك وإن كانوا يفيضون إيماناً باللَّه ورسوله ، إلّا أنّ المصلحة تقتضي استقطاب الأغنياء وتعبئتهم ضدّ العدو رغم خلو قلوبهم من الإيمان ! ويبدو أنّ اختلاف الرؤية ( على ضوء السياسة الإلهية والسياسة الشيطانية ) واختلاف المصلحة من الواقع هي التي دفعت بأولئك الأفراد والفئات الدنيوية للاعتراض على السياسة النبوية والعلوية . والإمام عليه السلام يوضح في هذه الخطبة السياسة التي سيتبعها وأنّه ليس من أولئك الساسة