الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
367
نفحات الولاية
ورشف خيولهم - حين نصحه بعدم مقاتلة يزيد حفظاً لنفسه قائلًا : أفبالموت تخوفني . ثم تمثل عليه السلام بالشعر الذي أنشده شاعر الأوس حين حذره ابن عمه من نصرة النبي صلى الله عليه وآله فقال : سأمضي فما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبوراً وباعد مجرماً فان عشت لم أندم وان مت لم أُلم * كفى بك ذلًا أن تعيش وترغما « 1 » ولا غرو فهذا هو المعنى الذي أكده القرآن الكريم « قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلّا إِحْدى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتُرَبِّصُونَ » « 2 » . ثم يشير أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته إلى مكر معاوية وسذاجة أهل الشام . الذين انطلقت عليه ألاعيب معاوية وحيله فقال عليه السلام : « ألا وإن معاوية قاد لمة من الغواة وعمس عليهم الخبر ، حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية » « 3 » . فالإمام عليه السلام يصور في هذه العبارات حكومة معاوية التي تستند إلى الحيلة والمكر والخداع واستغفال السذج من الناس ، إلى جانب تصويره إلى أهل الشام الذين بلغوا حداً من الضلال والغواية ما جعلهم يضحون بأنفسهم باطلًا من أجل تحقيق مآرب معاوية وأهدافه المشؤومة . ولعل العبارة الوارة في الخطبة تمثل إجابة على السؤال الذي قد يتبادر إلى أذهان أصحاب الإمام عليه السلام عن علة دفاع أهل الشام عن مطامع معاوية إلى حد الاستماتة . فالإمام عليه السلام يكشف النقاب عن هذه الحقيقة وهى أن مكر معاوية في تزوير الواقع من جانب وجهل أهل الشام وغفلتهم من جانب آخر قد جعلتهم يظنون بأنّهم يقاتلون في سبيل اللَّه ونيل الشهادة . نعم لقد كان للدعاية الواسعة والأساليب النفسية التي إعتمدها معاوية وعمرو بن العاص بالغ الأثر في صفوف أهل الشام إلى درجة أنّ البعض منهم أيقن بأنّ عثمان قد قتل مظلوماً وإن قاتله هو الإمام علي عليه السلام .
--> ( 1 ) ارشاد المفيد 2 / 81 . طبعة آل البيت . ( 2 ) سورة التوبة / 52 . ( 3 ) « لمه » من مادة « لمى يلمو لموا » بمعنى أخذ الشيء بأكمله و ( لمه ) بضم اللام وفتح الميم بدون التشديد » بمعنى الجماعة القليلة ، ( غواة ) جمع غاوي بمعنى الضال ، والعمس بمعنى محو الأثر وعدم العلم بالشيء ، ومن هنا أطلق العميس على الظلام الدامس ، فيقال ليل عماس ؛ أي مظلم .