الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
366
نفحات الولاية
خسة هذا العمل الذي ارتكبه أهل الشام ؛ فإمّا السلة وإمّا الذلة « فأقروا على مذلة وتأخير محلة « 1 » أو رووا « 2 » السيوف من الدماء ترووا من الماء » . أجل لم يكن لهم من سبيل ثالث ، فلو وهنوا أمام العدو وغلب عليهم العطش بحيث أمات رهطاً من جندهم لكان ذلك وصمة عار في جبينهم ولفقدوا مكانتهم ومنزلتهم لدى العدو والصديق ، إلّاأنّهم حين نهضوا بالأمر وحملوا على العدو قد حظوا بمكانتهم ومنزلتهم لدى العدو والصديق ، كما كشفوا عن مروءتهم وعظمة خلقهم حين لبوا طلب مولاهم بالابقاء على شريعة الماء مفتوحة بوجه جيش الشام ؛ الأمر الذي جعل جيش معاوية يشعر بخسة عمله ، وهذا ما أدى بدوره إلى ارتفاع معنويات أصحاب الإمام علي عليه السلام وضعف روحية جيش الشام في معركة صفين ولا سيما في أوائل تلك المعركة حين شهدت هذه الواقعة . ثم يشير الإمام عليه السلام إلى مفهوم كلي ودائمي على أنّه السر في انتصار وعزة ورفعة كل امّة ، فيخاطب جنده قائلًا : « فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين » . نعم ليس هناك من قيمة لهذه الحياة المادية في قاموس الأفراد الصالحين ، كما لا يعتبر الموت مناهضاً لهذه القيمة ، بل القيمة في نظر الأحرار إنّما تكمن في الحياة التي تسودها العزة والكرامة ، ولذلك تراهم يؤثرون الموت مع العزة على الحياة مع الذلة ، وهذا هو السر في انتصار الفئة الإسلامية القليلة في عصر النبي صلى الله عليه وآله - وما تلاه من عصور - على الفئة الضالة الكثيرة العدد والعدة . أجل فالعزة في المجتمع الإسلامي مقدمة على كل ما سواها ؛ ولا يتوانى مثل هذا المجتمع في التضحية بالغالي والنفيس من أجل تحققها . وهذا المعنى قد تجلى بأروع صورة في كلمات شبل علي عليه السلام الإمام الحسين عليه السلام في حادثة كربلاء الدموية ، فقد كان عليه السلام لا ينفك ينادي : « لا واللَّه لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أُقر لكم إقرار العبيد » « 3 » . ثم رد على الحر بن يزيد الرياحي - بعد أن جعجع بالحسين عليه السلام في طريقه إلى كربلاء وسقاهم الحسين عليه السلام بعظمته المعروفة الماء
--> ( 1 ) « محلة » تستعمل بمعنى المكانة والمنزلة الاجتماعية . ( 2 ) « رووا » من مادة « التروية » بمعنى الارتواء من الماء ، ولهذا يصطلح على اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ب « يوم التروية » حيث كان الحجيج في السابق يتزودون بالماء حين الذهاب إلى عرفة ومنى والمشعر الحرام ، كما قد تستعمل هذه المفردة ويراد بها المعنى الكنائي كإرواء السيوف الذي ورد في هذه الخطبة . ( 3 ) بحار الأنوار 45 / 7 .