الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

365

نفحات الولاية

« قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتالَ فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَتَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّماءِ تَرْوَوْا مِنَ الْماءِ فالْمَوْتُ فِي حَياتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَالْحَياةُ فِي مَوْتِكُمْ قاهِرِينَ . أَلا وَإِنَّ مُعاوِيَةَ قادَ لُمَةً مِنَ الْغُواةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْراضَ الْمَنِيَّةِ » . الشرح والتفسير أقبروا هذه الفتنة الخبيثة أشرنا سابقاً إلى أنّ الإمام علي عليه السلام ألقى هذه الخطبة في ظل تلك الظروف العصيبة التي ألمت بصحبة . وقد اختار الإمام - الذي يمثل مصدر البلاغة والفصاحة - هذه العبارات الحماسية من أجل تحقيق الهدف المنشود والذي جعل أصحابه يهبون مسرعين لطرد عتاة الشام ومردتها عن شريعة الفرات . نعم ما زالت هذه العبارات - ورغم تقادم الزمان عليها - تقرع أسماع الجميع وتلهمهم الصمود والتصدي للأعداد إذا ما شكلوا خطراً على عزتهم وشرفهم . فقد استهل الإمام عليه السلام خطبته بالقول : « قد استطعموكم القتال » . وهى كلمة مجازية تعني : طلبوا القتال منكم ، وهى تستعمل حيث يطلب أحدهم الطعام من آخر ، وكأنّ الحرب والقتال طعام يطلبونه من أصحاب الإمام عليه السلام . وما أشبه هذا الكلام بما تتناقله ألسنة عوام الناس في حياتهم اليومية من قبيل تعبيرهم « هذا الفرد يحكه جلده » في إشارة واضحة إلى أنّه يأتي بالأفعال التي ستؤدي إلى ضربه . والحق أنّ هذا أبلغ تعبير أورده الإمام عليه السلام بشأن منع أهل الشام للماء عن أصحابه عليه السلام . ثم يواصل الإمام عليه السلام خطبته بأن ليس أمامكم سوى سبيلين لا ثالث لهما تجاه