الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
299
نفحات الولاية
قلوبهم ، فهم يتزودون من الدنيا إلى الآخرة دون أن يغرقوا فيها . وقال بعض شرّاح نهجالبلاغة أنّ المراد بالعبارة هو أن المؤمنين سيكونون في الآخرة بمثابة الأبناء الذين يرتمون بأحضان آبائهم ، بينما سيكون أبناء الدنيا كاليتامى . إلّاأنّ هذا التفسير لا ينسجم والعبارة « إن كل ولد سيلحق بأبيه يوم القيامة » ، بل يفيد هذا التعبير أن الحياة الدنيا المادية ليست سوى الجحيم الذي يرتمي فيه أبناء الدنيا إذا افتقرت إلى الإيمان والتقوى ، وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله « فَأُمُّهُ هاوِيَهٌ » . « 1 » أمّا إن كانت هذه الحياة مقرونة بالايمان والتقوى والصبغة الآخروية فتتجسم يوم القيامة على هيئة جنّة سيرتمي في أحضانها المؤمنون . ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته قائلا : « وإنّ اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل » فالعبارة تفيد من جهة وجود الفرصة من أجل إستزادة العمل الصالح ، وإذا ما شوهد المحسنون والمسيئون ، والصالحون والطالحون ، وأولياء اللَّه وأعداء اللَّه ، وحزب اللَّه وحزب الشيطان إلى جانب بعضهم البعض الآخر في هذه الحياة الدنيا فذلك لأنّ الدنيا دار عمل لاحساب فيها ولاجزاء وعقاب . ومن جهة أخرى تحذير بأنّ نهاية العمر في الدنيا تعني إغلاق صحيفة الأعمال وليس هنالك من سبيل للعودة والعمل وتدارك ما فرط ، كما ليس للندم من أثر أو فائدة ، فقد قال علي عليه السلام « لا عن قبيح يستطيعون إنتقالًا ولا في حسن يستطيعون إزدياداً » « 2 » كما ليس هناك من جدوى لصراخهم « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً » « 3 » كما لا تفيدهم الآمال والأماني « فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ » . « 4 » الموت يعني إغلاق صحيفة الأعمال
--> ( 1 ) سورة القارعة / 9 . ( 2 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 188 . ( 3 ) سورة المؤمنون / 99 - 100 . ( 4 ) سورة الشعراء / 102 .