الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
300
نفحات الولاية
ما ورد في الخطبة بهذا الخصوص ممّا أكدته الآيات القرآنية ، حتى صرحت بعض الآيات أنّ أبواب التوبة تغلق حين نزول عذاب الاستئصال ( من قبيل العذاب الذي إستهدف إجتثاث جذور الأقوام السابقة حين طغت في الأرض ) بحيث لم يعد هناك من مجال لتدراك الأعمال ، لأنّ الإنسان في ظل هذه الظروف إنّما يودع الدنيا وينتقل إلى الآخرة مروراً بالبرزخ ، ومن ذلك قوله سبحانه : « فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ » . « 1 » . كما نعلم بأنّ فرعون لما أدركه الغرق وشعر بالموت أظهر الإيمان ولكن أغلقت بوجهه كافة أبواب التوبة فاتاه النداء « آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ » « 2 » . ونستتج من هذه الآيات وسائر الآيات الواردة بهذا الشأن أنّ هناك سنة إلهية تفيد إغلاق صحيفة الإنسان وانقطاع أعماله حين يكون على أبواب الموت المحتم ، فليس هنالك من سبيل للعودة والإصلاح . وهنا يبرز هذا السؤال وهو أنّ أغلب الروايات صرحت بأنّ آثار الأعمال الحسنة والسيئة تصل الإنسان بعد موته بحيث تثقل صحيفة أعماله خيرا أم شرا ، فقد ورد في الحديث عن رسولاللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال : « سبعة أسباباً يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته ، رجل غرس نخلًا أو حفر بئرا أو أجرى نهراً أو بني مسجداً أو كتب مصحفاً أو ورث علماً أو خلف ولداً صالحاً يستغفر له بعد وفاته » « 3 » ومن الواضح أنّ ما جاء في هذا الحديث نموذج باراز لأعمال الخير ، أفلا يتنافى هذا الأمر وما ذكر سابقاً ؟ والجواب على هذا السؤال واضح فليس هنالك من عمل جديد يقوم به الإنسان بعد الموت ، لا إنّ آثار الأعمال السابقة لا تصل إليه . نعم صحيفة الأعمال الجديدة مغلقة ولا يضاف إليها شيئا ، أما صحيفة أعماله السابقة قبل الموت فهي مفتوحة دائما وإن الإنسان يقطف ثمار عمله الصالح في البرزخ ويوم القيامة ، وتصله حتى الأعمال الصالحة فيما إذا خلف ولداً صالحاً يدعو له ويستغفر له .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون / 84 - 85 . ( 2 ) سورة يونس / 91 . ( 3 ) « تنبيه الخواطر » ، ( طبق نقل ميزان الحكمة ، 3 / 23 - 24 مادة عمل ) .