الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
295
نفحات الولاية
القسم الأول « أَيُّها النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُمُ اثْنانِ : اتِّباعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ » . الشرح والتفسير أوردنا سابقاً أنّ الإمام عليه السلام خطبها بعد الجمل حين ورد الكوفة ، بهدف الحد من الغرور الذي تفرزه طبيعة النصر والتنافس على غنائم المعركة ، فقال عليه السلام : « أيّها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان : اتباع الهوى وطول الأمل ، فأمّا اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة » . والعبارة الآخيرة مهمّة ذات أثر بالغ في مصير الامّة ، بحيث ورد التأكيد عليها في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ، كما أشار إليه الإمام عليه السلام سابقاً في الخطبة الثامنة والعشرين » . « 1 » ويتضِح من معنى مفردة الهوى التي تشير إلى أهواء ورغبات النفس الأمارة باللذات الدنيوية دون الحدود والقيود مدى صدها الإنسان عن الحق ومنعه من بلوغه ، لأنّ الهوى حجاب على العقل يحول دون إدراك الحقائق ومشاهدتها ، بينهما يزين له هذا الهوى الباطل ليبديه له أنصع من الحق ، في حين يشوه له الحق ويظهره له كابشع صورة للباطل ، وقد لمست هذه الحقيقة كثيراً خلال تجربتي ومطالعتي لسيرة الماضين في كيفية تبرير أتباع الهوى لبعض صور الحق والباطل وتغيير هويتهما . وأما طول الأمل فيستقطب جميع طاقات الإنسان وقواه حتى ينسيه الآخرة ، ولما كانت قوى الإنسان محدودة فانّه يستهلكها في الآمال الكاذبة اللامتناهية بحيث لا يبقى لنفسه من قوة يدخرها للآخرة ، ولا سيما أنّ الآمال لا تعرف للنهاية
--> ( 1 ) بحارالانوار 74 / 188 ( مع اختلاف طفيف ) وبحارالانوار 70 / 90 - 91 مع فارق ضئيل جداً .