الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
270
نفحات الولاية
جرجرة الجمل الأسر ، وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر » ولعل تشبيههم بالحيوانات المريضة إشارة إلى ضعفهم الفكري وعجزهم في اتخاذ القرار ، لأنّ الإنسان العاقل لا يدع العدو يهجم عليه بهذه الطريقة بحيث يضرب أينما شاء دون وازع أو رادع . ثم أشار عليه السلام إلى تلك الفئة القليلة التي لبت دعوته ، بينما كان الخوف والهلع يسيطر عليهم « ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون » . وقد أورد السيد الرضي ( ره ) في آخر الخطبة قائلًا : قوله عليه السلام متذائب ؛ أي مضطرب ، من قولهم : تذائبت الريح ، أي اضطراب هبوبها . ومنه سمى الذئب ذئباً ، لاضطراب مشيته . ومن هنا فانّ هذه الفئة القليلة لم تكن مصداقاً لقوله سبحانه « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة » بل كانت فئة ضعيفة قلقلة مضطربة كأنّهم يساقون إلى المذبح وهم ينظرون إلى موتهم ، فهي فئة عدمها خير من وجودها والوثوق بها مخجل ، فما أعظم محنته الإمام عليه السلام وابتلائه بهؤلاء القوم طبعاً قوله عليه السلام كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . إنّما اقتبسه عليه السلام من الآية السادسة من سورة الأنفال التي وردت بشأن بعض المؤمنين الضعفاء على عهد النبي صلى الله عليه وآله الذين كانوا يتشبثون بمختلف الذرائع والحجج للفرار من الجهاد إلى جانب جدالهم للنبي صلى الله عليه وآله حول موقعة بدر ، غير أنّ حوادث بدر أثبتت لا حقاً مدى خطأهم وتزايد خوفهم عبثاً حتى انتهت الموقعة بالنصر المؤزر للمسلمين ، والعجيب أنّ هؤلاء كانوا من المعترضين على كيفية توزيع الغنائم بعد انتهاء المعركة . ولعل المراد بالعبارة أن هذه الفئة القليلة لو كانت تمتلك العزم الراسخ والقوة والصلابة من شأنها الانتصار على العدو ، غير أن المؤسف . . . عاقبة الضعف أمام العدو رغم أن التعاليم الإسلامية تستند إلى ارساء قواعد السلام مع كافة الأمم والشعوب - باستثناء تلك الحالات التي يشهر فيها السلاح ضد الإسلام والمسلمين - إلّاأنها توصي بالشدة والصلابة في بعض الحالات الطارئة ، ونموذج ذلك ما ورد في هذه الخطبة وسائر خطب نهج البلاغة بشأن العتاة المردة من أهل الشام من جيش معاوية . فقد كان معاوية يستغل الفرص من أجل إضعاف أهل العراق وزعزعة روحياتهم ، فقد كان يجهز بعض الجماعات