الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

271

نفحات الولاية

ويعبئها لشن غاراتها على بعض المناطق الإسلامية فتنشر فيها الذعر والخراب والدمار وتذبح من فيها دون الإكتراث للشيوخ والنساء والصبيان إلى جانب نهب الأموال والثروات وقد تكررت مثل هذه الحادثة لأكثر من مرّة على عهد الإمام عليه السلام ، فكان الإمام عليه السلام يستصرخ أهل الكوفة لمواجهة هذه الأخطار فكانوا يردون عليه بكل ضعف وفتور وكأنّهم لم يعلموا بما يجري حولهم وقد غطوا في نوم عميق : الأمر الذي جعل إعتداءات أهل شام تتصاعد يوماً بعد آخر ، حتى أصبح العراق بعيد شهادة الإمام عليه السلام لقمة سائغة لمعاوية ورهطهَ بحيث لم يتمكن الإمام الحسن عليه السلام من الوقوف بوجه ذلك الظالم ، ولا عجب في الأمر فلم تكن لديه القوة الكافية من الأفراد التي يستطيع بواسطتها قتال معاوية . ونلمس اليوم هذه الحقيقة بوضوح في عالمنا المعاصر ، وإذا لم نلتفت إلى تحرشات العدو وتقبرها في المهد فانّها ستتسع شيئاً فشيئاً ، آنذاك لم يمكن المواجهة والصمود . وعليه فلابد من الانتباه إلى أدنى حركة عسكرية أو إعلامية أو اقتصادية والتعامل معها فوراً بمنتهى الصلابة ليضطر العدو للدفاع بدلًا من الهجوم . فعادة ما تحاول العناصر الضعيفة التي تميل إلى الدعة والراحة لحمل مثل هذه الحركات على البراءة بعيد عن حملها محمل الجد وإساءة الظن بها ، والحال أنّها إنّما تبدر من العدو الذي لا ينبغي الغفلة عن اتهامه ريثما تتكشف الحقائق . ونختتم البحث بالعبارات الواردة في خطبة الجهاد حيث قال عليه السلام : « ألا وإنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهاراً وسراً وأعلاناً وقلت لكم : إغزوهم قبل أن يغزوكم : فواللَّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلّاذلوا » . « 1 » سؤال لعل هنالك من يتساءل لم كل هذه الشدّة من الإمام عليه السلام مع أصحابه ومخاطبتهم بهذه اللكمات وتحقيرهم إلى هذا الحد ، أفليس من الأفضل أن يرفق بهم ويتلطف معهم ؟ الجواب : بينا الإجابة على ذلك كراراً في الخطب السابقة ، وقلنا أنّ ذلك يمثل آخر الدواء ، وكأنّه عملية لاستئصال مرض عضال .

--> ( 1 ) نهج‌البلاغة ، الخطبة 27 .