الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
237
نفحات الولاية
إلى دار الدنيا أو بعبارة أخرى الاغترار بالدنيا والعبودية لها و « احتيل » من مادة حيل بمعنى الفخ ، والمراد بالمقدار حسب بعض شرّاح نهج البلاغة الفكر الخاطىء والتحليل العبثي لمختلف الحوادث ، وقال البعض الآخر تعني القدر الإلهي . وإذا تأملنا تأريخ الحادثة سيتضح لدينا الأثر البالغ الذي لعبه كلام الإمام عليه السلام في هذه الطائفة ، فقد كانت طائفة متعصبة لجوجة جاهلة هزيلة . ثم أشار عليه السلام إلى قضية التحكيم فقال « وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين ، حتى صرفت رأبي إلى هواكم » إنكم لتحملوني مسؤولية عمل أنتم إرتكبتموه ، بل أبعد من ذلك جعلتم تهددوني بالقتل على قبوله ، والآن بعد أن تبيّن لكم فداحة خطأ العمل تحاولون إلقاء تبعته عليَّ « وأنتم معاشر أخفاء الهام « 1 » سفهاء الأحلام » . يمكن أن تكون هذه العبارة تأكيد لسفاهة وبلاهة أصحاب النهروان . كما يمكن أن تكون العبارد السابقة - كما ذكر ذلك بعض شرّاح نهج البلاغة - إشارة إلى خفة أهل النهروان الذين تتغير أفكارهم وحركتهم لأدنى شي ، فهم يتعصبون يوماً للتحكيم ، وآخر يعادونه أشد العداء ، أمّا العبارة الأخيرة فهي تشير إلى ضحالة فكرهم ، وذلك لأن مؤامرات العدو كانت تتكشف يوماً بعد آخر ولم تكن خافية على أهل البصائر إلّاأنّهم لم يكونوا يرونها أو يدركونها ؛ الأمر الذي جعلهم يخدعون أكثر من مرة بحيل معاوية وبطانته ، فيرتكبون ما يؤدي إلى بؤسهم وشقائهم وجر الويلات والمصائب على المسلمين . ثم يختتم الإمام عليه السلام خطبته بالتأكيد على هذه الحقيقة بأنّ كل ما يصيبكم من بلاء ممّا إرتكبته أيديكم ولست طرفا فيه أبداً ، بل خالفتموني وشهرتم سيوفكم لتهددوني بالقتل « ولم آت - لا أبا لكم ! - بجرا ولا أردت لكم ضراً » . العبارة لا أبا لكم يمكن أن تكون سباً ولعناً ، تشير إلى أنّكم لم تحظوا بتربية أسرية إسلامية صحيحة ، ومن هنا فانّكم تفعلون الأفعال الشائنة وتنسبوها إلى الآخرين ، ويمكن أن تكون دعاءا عليهم ؛ أي أمات الله آبائكم وهى في الواقع كناية عن ذلتهم وهوانهم ؛ لأنّ فقدان الأب في ريعان الشباب تدعو إلى الذلة والهوان .
--> ( 1 ) « الهام » جمع هامة رأس الإنسان أو سائر الكائنات الحية ، واخفاء الهام تغني ضعاف الفعل .