الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

238

نفحات الولاية

قصة التحكيم ثم ظهور أمر الخوارج ذكرنا حين شرحنا للخطبة الشقشقية في المجلد الأول أنّ الخوارج فئة متعصبة وجاهلة قد ظهرت من بطن صفين وقضية التحكيم . فقد أقرت مسألة التحكيم ( عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري ) وفرضوها على الإمام عليه السلام . ولم يصفوا إلى قول الإمام عليه السلام أنها خدعة ولم يبق إلا القليل على ختم فتنة أهل الشام وزعيمهم معاوية . لكنهم تدموا بعد نتيجة التحكيم وتابوا لكنهم أفرطوا هذه المرة حيث حكموا يكفر قبول التحكيم وشعارهم الحكم لله فلابد أن يتوب علي عليه السلام من هذه المعصيته . قال الإمام عليه السلام أن التحكيم ليس كفرا ، فقد أشار القرآن إلى هذه المسألة في حل الخلافات العائلية « فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها » وفي كفارة الإحرام « يحكم به ذوا عدل منكم » لكن التحكيم الذي أقررتموه كان خاطئا - على كل حال إقتنع هؤلاء - وكان من بينهم بعض المتظاهرين بالعبادة والإتيان بالمستحبات - بقشور الإسلام وتركوا جوهره فاجتمعوا ضد أمير المؤمنين عليه السلام في منطقة قرب الكوفة تدعى الحروراء قرب النهروان . فبالغ الإمام عليه السلام في وعظهم ونصحهم حتى عاد أكثرهم إلى رشده بينما بقي أربعة آلاف منهم فلما تثبت المعركة صرعوا جنب النهر ولم ينج منهم إلا القليل كما أخبر الإمام عليه السلام . وقد شهدت حياة الخوارج وسيرتهم العديد من التناقضات العجيبة ومن ذلك : 1 - لقيهم عبد الله بن الخباب في عنقه مصحف ، على حمار ، ومعه امرأته وهى حامل ، فقالوا له : إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك ، فقال لهم : ما أحياه القرآن فأحيوه ، وما أماته فأميتوه ، فوثب رحيل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه ، فصاحوا به ، فلفظها تورعا . وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله ، فقالوا : هذا فساد في الأرض ، ثم قالوا لابن الخباب : حدثنا عن أبيك . فقال : إني سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل - قالوا : فما تقول في علي بعد التحكيم والحكومة ؟ قال : إن عليا أعلم بالله وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة - فقالوا : إنك لست تتبع الهدى ، ثم قربوه إلى شاطىء النهر فأضجعوه فذبحوه . « 1 »

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 281 وتأريخ الطبري 2 / 60 - 61 ، حوادث عام 37 .