الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
162
نفحات الولاية
وهنا يبرز هذا السؤال وهو أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يثني أحيانا على طلحة ، حتى ذهب البعض إلى أنّه من العشرة المبشرة بالجنّة ، فكيف يصح هذا الثناء ؟ ونقول في الجواب على فرض أنّ هذا الكلام صحيح ، فانّ الإنسان يعيش بعض المراحل المتألقة في سني حياته بحيث يكون يوماً إلى جانب الحق ويستحق الجنّة ، ويوماً يخرج من هذا الحق ويلتحق في صفوف الباطل فيستحق غضب الله وسخطه . فالتأريخ الإسلامي حافل بالأفراد الذين كانوا على الحق وهجروه إلى الباطل أو بالعكس ، وإلّا فمن يسعه القول بأحقية من أجج نار الحرب ضد إمام زمانه وسفك كل هذه الدماء ؟ فهل من انسجام بين هذا الكلام والمنطق ؟ والشاهد على ما قلنا ما صرح به القرآن الكريم بشأن السابقين في الإسلام من المهاجرين والأنصار والتابعين ، الذين وعدهم بالجنّة « وَالسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذ لِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ » . « 1 » فالآية تشمل جميع المهاجرين والأنصار ، بينما نعلم هنالك من انحرف منهم عن الحق كعبد الله بن أبي سرح « 2 » وثعلبة ابن حاطب الأنصاري « 3 » فاستحقوا غضب الله وسخطه ، وقد كانوا من المهاجرين والأنصار الذين وقفوا إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ كما نعلم أن بعض المنافقين الذين ذمّهم القرآن بشدّة كانوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله . وعلى هذا الضوء فلابدّ من تقييم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله على ضوء أعمالهم حتى آخر أعمارهم ، وإلّا شهدنا حالة من التناقض لا يمكن الخروج منها بتبرير وأما الزبير فهو الزبير بن العوام وامّه صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله اسلم في الخامسة عشرة من عمره وهو رابع أو خامس من أسلم ، هاجر إلى الحبشة ثم قدم
--> ( 1 ) سورة التوبة / 100 . ( 2 ) ورد ذمه في تفسير الآية 93 من سورة الأنعام في الدر المنثور ( الدر المنثور 3 / 30 ) وذكر صاحب أسدالغابة أنه كان من كتاب الوحي ثم ارتد فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله ( أسد الغابة ، شرح أخبار عبد الله بن سعد بن أبي سرح ) . ( 3 ) جاء في أسد الغاية في معرفة الصحابة في أخبار هذا الرجل أن النبي صلى الله عليه وآله طرده ، كما طردهالخلقاء الثلاثة ( أبو بكر وعمر وعثمان ) ولم يقبلوا زكاته ، رغم قوله أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى توفي في خلافة عثمان .