الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

143

نفحات الولاية

تكمن في غصبهم لحقوق الآخرين ، وعليه فلا تعنى إعادة هذه الحقوق المغتصبة سوى تجريدهم من هذه القوة ؛ الأمر الذي لن يحدث قط . وهنا يحث الإمام عليه السلام كافة المحرومين والمستضعفين على الوحدة ورص الصفوف لاستعادة حقوقهم السليبة من الظلمة والطواغيت وأنّهم غالبون لا محالة ، فالطغاة ليسوا مستعدين للتضحية ، بينما يضحي المستضعفون بالغالي والنفيس من أجل إحقاق حقوقهم . طبعاً ملئت الدنيا اليوم بالشعارات التي تتبنى حقوق الإنسان وتطالب بإعادة حقوق المحرومين ، غير أنّ التجربة أثبتت بالأدلة القاطعة أن هذه الشعارات لا تعد كونها مصائد تهدف اغفال الطبقات المسحوقة والمعدمة والاستسلام إلى إرادة الأقوياء ؛ الأمر الذي يثبت أنّ الحق يؤخذ ولا يعطى . فالمؤمنون لا يسعهم الوقوف مكتوفي الأيدي حيال الظالمين الذين يتلاعبون بمقدراتهم . وعليهم أن يتعلموا الدروس والعبر التي لقّنها الإمام الحسين عليه السلام البشرية جمعاء في الصبر والتضحية والفداء ، فما زالت صرخاته تدوي في الاسماع « ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة ! وهيهات له ذلك ! هيهات مني الذلة ! أبي اللَّه لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحدود طهرت وحجور طابت ، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام » « 1 » . كما أكد القرآن الكريم على جانب الصبر والصمود والمقاومة لدى المؤمنين ، ومن ذلك الآية 214 من سورة البقرة « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » . وهى الحقيقة التي نلمسها بوضوح في كافة الغزوات الإسلامية من قبيل بدر وأحد والأحزاب وتبوك وحنين ، التي كان ينتصر فيها المسلمون بسلاح الإيمان والصبر ، صحيح أنّ النصر من عند اللَّه ، إلّا أنّ الامداد الغيبي والعناية الإلهية كانت مكملة للأسباب الظاهرية والعدة والعدد التي كان عليها المسلمون . فهذا أحد القوانين التأريخية الثابتة ، فلا يقتصر على صحب النبي صلى الله عليه وآله والإمام الحسين عليه السلام ، كما لا يرتبط بالأمس واليوم ، بل يشمل المستقبل كالماضي على حد سواء .

--> ( 1 ) بحار الأنوار 45 / 83 .