الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

144

نفحات الولاية

2 - الدفاع عن الوطن لقد لجأ الإمام علي عليه السلام إلى مختلف الأساليب من أجل إثارة مشاعر أهل الكوفة وتعبئتهم لقتال العدو ، ومن ذلك تأكيده على مسألة الدفاع عن الوطن « أي دار بعد داركم تمنعون » ؟ في إشارة واضحة إلى علاقة كل فرد بوطنه وأنّه يهب للدفاع عن هذا الوطن إذا تعرض للخطر مهما كانت المدرسة والفكرة التي يؤمن بها وينتمي إليها ، إلّاأنّ المؤسف له أنّ هذه الروح هي الأخرى قد ماتت فيهم . وهنا يبرز هذا السؤال : هل حرمة الوطن في الإسلام بصفته يمثل دار الإسلام أم هناك شيء آخر ؟ أي البلد الإسلامي يكتسب حرمته كونه بلداً إسلامياً ، أم هناك حرمة ذاتية لكل بلد بحيث تتضاعف هذه الحرمة لو أصبح جزءاً من دار الإسلام ؟ يمكن العثور على أجوبة هذه الأسئلة في الآيات القرآنية والروايات الإسلامية ؛ الأمر الذي يؤكده العقل أيضاً . فقد توالت الآيات التي ذهبت إلى أنّ الاخراج من الوطن إنّما يضاد القيم الإنسانية ؛ الأمر الذي يعني حرمة الوطن الذاتية ، وهذا ما نلمسه بوضوح في الآيات القرآنية الثامنة والتاسعة من سورة الممتحنة « لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِك هُمُ الظّالِمُونَ » فقد اعتبرت الآيتين الكريمتين الاخراج من الوطن بمثابة المقاتلة في الدين ، الأمر الذي يؤكد قيمة الوطن كما صرحت بذلك الآية 246 من سورة البقرة على لسان بني إسرائيل « قالُوا وَما لَنا أَ لّانُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا » فهي تدل على أنّ دافعهم الجهادي إلى جانب حفظ الدين ينطوي على انقاذ الوطن ، وقد أقر نبيّهم هذا الدافع دون أن يعترض عليه ، ونوكل الحديث في الآيات الأخرى الواردة بهذا المجال إلى محلها . رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان شديد التأثر اثر هجرته من مكة ، طبعاً صحيح أنّ مكة كانت تمثل قيمة دينية كبيرة ، إلّاأنّها كانت تعني إلى جانب ذلك بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وطنه ومسقط رأسه ، ومن هنا خفف عنه القرآن بقوله « إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ » « 1 » .

--> ( 1 ) سورة القصص / 85 .