الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

نفحات الولاية

والواقعيات هي التي تبلغ بالإنسان الهدف لا الوهم والخيال الذي لا يجر على الإنسان سوى الخذلان والخسران . ولعل الإنسان يستطيع عن طريق الباطل اغفال الآخرين مدّة من الزمان ، إلّاأنّ مصيره المحتوم إنّما يؤول إلى البؤس والشقاء لا محالة في خاتمة المطاف وعليه فان قوله عليه السلام : « ألا وإنّه من لا ينفعه الحق ، يضره الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى ، يجر به الضلال إلى الردى » إنّما يمثل حقيقة واقعية واضحة . طبعاً صحيح أن الاقرار بالحق واقتفاء آثاره إنّما يقترن غالباً بتحمل الشدائد المريرة ، إلّاأنّ هذه المرارة تبدو كمرارة الدواء التي تجعل السقيم يتماثل للشفاء ، ولا يجني من تلك المرارة سوى السلامة والصحة والعافية من المرض الذي ربّما يؤدي بصاحبه إلى الموت . ويتضح ممّا تقدم أنّ الحق والباطل ليسا من قبيل الوجودات الاصطناعية والأمور الاعتبارية ؛ فالحق في عالم التكوين هو ذلك الوجود العيني وفي عالم التشريع هو عبارة عن الواجبات والمحظورات التي تستند إلى المصالح والمفاسد والتي تمثل بدورها واقعيات عينية ، وسنتناول هذا الموضوع بالشرح في الأبحاث القادمة . على كل حال فانّ الإمام عليه السلام هدف بهذه العبارة إلى إفهام الآخرين - علاوة على تنبيههم إلى أصل كلي له بالغ الأثر في مصير الناس - بأنّهم إذا لم يلتزموا بوصاياه المنسجمة والحق والعدل فانّهم سيقعون في مخالب الظلم والجور والاضطهاد وإن أضرار الباطل ستجتاح حياتهم ؛ الأمر الذي شهدوه في حياتهم ومسيرتهم . ثم تعرض الإمام عليه السلام - في النقطة التاسعة - إلى موضوع مهم يحكم حياة البشرية شاءت أم أبت « ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن « 1 » ودللتم على الزاد » . والأمر بالظعن هو قانون الموت الذي يحكم حياة الناس ، فالأطفال يسيرون نحو الشباب ، والشباب يتجهون نحو الكهولة وهذه الأخيرة إنّما تنتهي بالموت . فهو قانون شامل جاري لا يعرف الاستثناء والشواذ ، كما أنّه قانون لا يقوى أحد على تجاوزه مهما كانت قوته وقدرته وعلمه ومعرفته فهو القانون الذي شرعته يد القدرة الإلهية لسمو الإنسانية وتكاملها وقد تعرضت أغلب آيات كتاب التشريع .

--> ( 1 ) « ظعن » على وزن « طعن » بمعنى الرحيل من مكان إلى آخر ومن هنا أطلقت الظعينة على الهودج لأنّه من‌وسائل السفر ، وتستخدم أحياناً كنايةً عن النساء ، لأنّهم غالباً مايركبن الهودج .