الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
128
نفحات الولاية
لهذا الأمر التكويني كالآية : « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ » « 1 » والآية : « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » « 2 » . وقد خوطب بهذا الأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الذي يمثل أشرف كائنات عالم الخلقة « إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ » « 3 » والآية : « كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ » « 4 » . كما يحتمل أن يكون المراد بقوله عليه السلام « أمرتم بالظعن » الأمر بالاستعداد للرحيل من الدنيا ، كما ورد ذلك في الخطبة 204 « تجهزوا رحمكم اللَّه فقد نودي فيكم بالرحيل » « 5 » . وأمّا الأمر بالتجهز والتزود فانّه يمثل رسالة جميع الأنبياء إلى البشرية وتنبيهها إلى الطريق الخطير الذي ينتظرها ؛ وهو طريق طويل يشمل الفاصلة بين الدنيا والآخرة ولا يمكن السير عليه دون حمل الزاد ، ولا معنى للزاد هنا سوى الإيمان والتقوى والورع والعمل الصالح « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى » « 6 » ولا ينفع في الآخرة سوى القلب السليم المفعم بالإيمان وحبّ اللَّه « يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلّا مَنْ أَتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » « 7 » . وعليه فلا ينبغي أن يلتفت سالكوا هذا الطريق إلى الدنيا وما فيها وينخدعوا بزخارفها ، بل عليهم الهم بالعمل الصالح الذي لا يبلغ بهم الهدف المنشود سواه « المالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدَّنْيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا » « 8 » .
--> ( 1 ) سورة آل عمران / 185 . ( 2 ) سورة النساء / 78 . ( 3 ) سورة الزمر / 30 . ( 4 ) سورة القصص / 88 . ( 5 ) على ضوء المعنى الأول فانّ الأمر في قوله « أمرتم بالظعن » هو أمر تكويني وأجل الهي ولكن ليس فيالجملة من تقدير ، وهو أمر تشريعي على ضوء المعنى الثاني وفي العبارة تقدير هو التجهز والاستعداد ، أو الظعن بالمعنى المجازي . ( 6 ) سورة البقرة / 197 . ( 7 ) سورة الشعراء / 88 - 89 . ( 8 ) سورة الكهف / 46 .