الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

126

نفحات الولاية

والكهولة والفقر والغنى والهزيمة والانتصار والحرية والسجن وما إلى ذلك . ومن هنا نرى الأنبياء والأوصياء والأولياء لا ينفكون في حال من الأحوال عن التضرع إلى اللَّه والتوجه إليه . فالمتتبع لسيرة الإمام علي عليه السلام لا يرى في عبادته من تفاوت بين جلوسه في البيت حين زحزحت عنه الخلافة ونهوضه بالأمر وإدارته لشؤون البلاد الإسلامية ، فالزهد والتهجد وإعانة الضعفاء والفقراء وطلاق الدنيا إلى غير رجعة كان من المعاني الواضحة في عبادة الإمام عليه السلام : ثم قال عليه السلام : « ألا وإنّي لم أر كالجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها » . لقد رأينا عدّة أفراد من الذين يعيشون الأرق ليالي حين يهمون ببعض الأسفار القريبة التي تدر عليهم بعض الأرباح والفوائد ، فكيف ينام طالب الجنّة الباقية - النعمة التي لا تفوقها نعمة أو الخائف من نار جهنم التي لا يتصور عذابها وأن رؤيته غير سماعه - ولا يكترث لهذه الأمور ؟ ! ولعل ذلك يعزى إلى ضعف ايمان الفرد بالعالم الآخر ، أو إلى سكر النعم والمنافع التي يتمتع بها في حياته ، ومهما كان السبب فانّ الغفلة عن الآخرة لمن الظواهر المأساوية الأليمة التي ينبغي للإنسان التوقف عندها ومعالجتها . ولاشك أنّ من وظائف أئمة الدين وزعماء المسلمين ايقاظ الناس من غفلتهم وترسيخ دعائم ايمانهم ولفت أنظارهم إلى الدار الآخرة وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا والذوبان فيها . وفي النقطة الثامنة يشير الإمام عليه السلام إلى مسألة ذات صلة بهذا الموضوع فيقول : « ألا وإنّه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى ، يجر به الضلال إلى الردى » . طبعاً لا يتضح عمق هذا الكلام مالم نقف على التعريف الصحيح للحق والباطل . فالحق عبارة عن الواقعيات ، سواء كان هذا الحق تكوينياً أم تشريعياً . ويراد بالحق التكويني واقعيات عالم الوجود ، ويقابل ذلك الباطل المتمثل بالخيال والسراب الذي لا واقع له ولا وجود سوى في عالم التصور والوهم . أما الحق التشريعي فيتمثل بالقوانين والتعاليم الإلهية التي شرعت من أجل الفرد أو مجموعة الأفراد على ضوء المصالح والكفاءات الذاتية أو الاكتسابية ، ويقابله الباطل الذي يتجسد بعرقلة القوانين والتمرد عليها باسم القانون وتضييع العدالة وسلب الحريات وذبحها بمرأى ومسمع من الناس . ومن البديهي أنّ من يولي ظهره للحق سواء على مستوى التشريع أو التكوين فانّه يقع في حبائل الباطل من قبل الوهم والخيال والسراب الذي يحسبه الظمآن ماء ؛ الأمر الذي لا يرتقي بالإنسان إلى الشيء ،