الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

177

نفحات الولاية

تكون مقولة عقيب انصرافه عليه السلام من صفين ، لأنّه انصرف عنها وقتئذ مضطرب الأمر ، منتشر الحبل ، بواقعة التحكيم ، ومكيدة ابن العاص ، وما تم لمعاوية عليه من الاستظهار ، وما شاهد في عسكره من الخذلان ، وهذه الكلمات لا تقال في مثل هذه الحال ، وأخلق بها أن تكون قيلت في ابتداء بيعته ، قبل أن يخرج من المدينة إلى البصرة ، وأنّ الرضي رحمه اللَّه تعالى نقل ما وجد ، وحكى ما سمع والغلط من غيره ، والوهم سابق له ، وما ذكرناه واضح . « 1 » وقد صرّح بعض العلماء بأنّ هذا الكلام ينبغي ألا يقال بشأن فرد يعتبر علماً في العلم وبحراً من الوقار وأسطورة في الجهاد والمقاومة . فانّ فرداً مثل علي عليه السلام لاتهزه هذه الحادثة وأنى للاضطراب والقلق من سبيل إلى هذه الروح الملحمية والأفكار الربانية التي كان يتحلى بها علي عليه السلام . بل بالعكس وكما أوردنا سابقاً فان الإمام عليه السلام يحذر - في هذه الخطبة - الامّة من الاستسلام إلى الدعايات السامة والمشاريع الشيطانية التي كان يمارسها ولاة الشام ومن مغبة العودة القهقري إلى العصر الجاهلي والصمود في الذود عن الحق بعد أن عاد إلى أهله . وعليه فلا يبدو رأي ابن أبي الحديد صائباً في أن معاوية هو الذي انتصر في الميدان ولا سيما قول الإمام عليه السلام : « الآن إذا راجع الحق إلى أهله » وذلك للأسباب التالية : أولًا : أنّ معاوية لم يكسب تلك المعركة قط ، غاية ما في الأمر أنّه نجى من هزيمة منكرة بفعل خدعة عمرو بن العاص فما زال الإمام عليه السلام يرى الحق ( هو وأهل بيته ) ويحذر الامّة من التغابي عنه إلى جانب الذود عنه وعدم زحزحته عن أهله . ثانياً : إنّ التحكيم الغادر لعمرو بن العاص - وخلافاً لما يراه الكثيرون - لم يحصل في صفين بحضور الإمام عليه السلام بل وقع بعيد بضعة أشهر ، والطريف أنّ ابن أبي الحديد قد صرّح بهذا المعنى في موضع آخر من شرحه . ونخلص ممّا سبق إلى أنّ الدليل الذي حاول أن يتمسك به ابن أبي الحديد والذي تمثل بالجملة الأخيرة في الخطبة لإثبات صحة مدعاه في أنّ الخطبة صدرت بعد موقعة صفين ، هو دليل باطل وشاهد عاري من الصحة .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 143 .