الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
125
نفحات الولاية
« مُهِينٌ » « 1 » ، ومن جانب آخر فانّ وجود الشيطان يشكل اختباراً وامتحاناً ضخماً للناس ، وبعبارة أخرى فانّه يمثل جسر الأفراد المؤمنين نحو السمو والتكامل - لأنّ وجود هذا العدو المقتدر بالنسبة للمؤمنين الذين يرومون انتهاج سبيل الحق ليس فقط لا يستبطن أي ضرر فحسب ، بل سيكون وسيلة للتسامي والتكامل ؛ حيث إننا نعلم بأنّ السمو والتكامل إنّما يتمّ عادة في ظل التضاد وإذا ما رأى الإنسان نفسه أمام عدو شرس فإنه سيوظف كافة طاقاته وقدراته ونبوغاته ، وبعبارة أخرى فان وجود هذا العدو القوي سيؤدي بالإنسان إلى ممارسة مزيد من الحركة والجهد ؛ الأمر الذي يقوده بالتالي إلى السمو والرقي والتكامل . بينما لا يزيد هذا الأمر مرضى القلوب والآثمين المنحرفين سوى انحرافاً وبؤساً وشقاءً ، والحق أنّهم استحقوا ذلك بما كسبت أيديهم : « لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ » فالهدف هو أنّ اللَّه يختبر أولئك القاسية قلوبهم وفيها مرض بالقاءات الشيطان ، « وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ » « 2 » . سؤال : كيف كانت شبهة إبليس بالتعزز بخلقة النار فيرى نفسه أفضل من آدم وبالتالي يعترض على حكمة اللَّه ؟ ونقول في الجواب أنّ حب الذات والغرور تعدّ من أضخم الحجب التي تحول دون رؤية الحقائق والواقعيات ؛ وهذا ما حصل لإبليس ، فلم يدفعه ذلك إلى التمرد والعصيان فحسب ، بل اعترض على الحكمة الإلهية ليجعل ذلك حجة احتج بها في شرف عنصره على عنصر آدم ، فكيف أسجد لهذا الموجود الذي خلقته من طين بينما خلقتني من النار ، فقد ذهبت به الظنون إلى أفضلية النار على التراب ، بينما لا يخفى أنّ التراب ينبوع مختلف الخيرات والبركات ومصدر جميع المواد الحيوية والمهمة والوسيلة الرئيسية لمواصلة الحياة ، كما يضم في طياته أنواع المعادن والفلزات والجواهر وليس النار كذلك . صحيح أنّ النار والحرارة تعتبر من سائر الوسائل
--> ( 1 ) سورة آل عمران / 178 ؛ سورة الروم / 41 . ( 2 ) سورة الحج / 53 - 54 .