الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

126

نفحات الولاية

الحياتية الضرورية ، لكن ممّا لاشك فيه أن الدور الأساسي إنّما تقوم به المواد الموجودة في التراب والنار ليست سوى وسيلة من أجل تكامل هذه المواد . لقد صرّحت بعض الروايات « 1 » أنّ وحدة من أكاذيب إبليس هو زعمه بأنّ النار أفضل من التراب ، والحال إننا نعلم بأنّ النار عادة ما تتولد من احتكاك الأشجار أو من المواد الدهنية وانّ أصل الأشجار هو التراب ، كما أنّ الدهون النباتية والحيوانية إنّما تستخرج بواسطة من الأرض . أضف إلى ذلك أنّ امتياز آدم لم يقتصر على أفضلية عنصر التراب ؛ بل تكرمته إنّما استندت إلى عامل أصلي تمثل بتلك الروح العظيمة التي نفخت فيه « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » . ولنفترض جدلًا أنّ المادة الأولى في خلقة الشيطان كانت أفضل من مثيلتها لدى آدم ، فان هذا الأمر هو الآخر لا يقوى دليلًا على تمرده وعدم امتثاله لأمر اللَّه بالسجود لآدم بفضل تلك الروح الإلهية التي حلت فيه واكسبته ذلك المقام العظيم ، ولعل الشيطان كان يعلم بكل هذه الأمور إلّاأنّ الكبر والغرور والعجب وحب الذات أعمى بصره وبصيرته عن الاذعان للحق . 4 - تبريرات جوفاء لقد حاول بعض الفلاسفة - كما نقل ذلك ابن ميثم البحراني رحمه الله في شرحه لنهج البلاغة - أن يبرروا ويأولوا كافة تفاصيل قصة خلق آدم وسجود الملائكة وتمرد إبليس وعدم امتثاله لأمر اللَّه ليحملوها على مفاهيم لا تنسجم وظواهر تلك القصة . ومن ذلك أنّهم قالوا أنّ المراد بالملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم هو القوى البدنية المأمورة بالخضوع أمام النفس العاقلة ( الروح البشرية ) ، والمراد بإبليس القوة الوهمية وجنود إبليس هي القوى النابعة من الوهم وهوى النفس والتي تتعارض والقوى العقلية ، امّا المقصود بالجنّة التي طرد منها آدم فانّما يراد بها المعارف الحقة وأنوار الكبرياء الإلهية ! وما إلى ذلك من التأويلات الجوفاء التي لا أساس لها من الصحة . « 2 »

--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين 4 / 472 ح 93 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1 / 190 فصاعداً .