الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

124

نفحات الولاية

« أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ » « 1 » بينما ليست للملائكة من ذرية . سؤال : كيف جاز على اللَّه سبحانه أن يسلط إبليس على الناس حتى أنّهم سلبوا قدرة الدفاع ؟ أضف إلى ذلك فما الضرورة في الاغواء والضلال ؟ ومنحه تلك المدّة الطويلة من العمر والمهلة ليسعى سعيه في اغواء بني آدم وتوظيف كافة إمكاناته في سبيل تحقيق هذا الهدف ؟ جواب : أولًا : أنّ الشيطان قد خلق طاهراً عفيفاً وقد جدّ لسنوات من أجل صون قدسيته وطهّره حتى قادته طاعته وعبوديته لأن يكون في مصاف الملائكة ، إلّاأنّه في نهاية الأمر وأثر حبّه لذاته وكبره وغروره واستغلاله لحريته قد سلك سبيل الضلال فسقط إلى الحضيض . ثانياً : من الضروري الالتفات إلى نقطة مهمّة وهى أنّ نفوذ الوساوس الشيطانية إلى باطن الإنسان ليس نفوذاً عبثياً وإجبارياً ؛ بل إنّ الإنسان هو الذي يفسح المجال بإرادته واختياره لهذا النفوذ سيجعله يستحوذ على نفسه ، حيث يمنح الشيطان تأشيرة الدخول إلى حدود قلبه وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِن الغاوِينَ » « 2 » . وقال في موضع آخر « إِنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ » . « 3 » ثالثاً : لقد تضمنت عبارات الإمام علي عليه السلام رداً لطيفاً رائعاً على السؤال المذكور حيث قال : « فأعطاه اللَّه النظرة استحقاقاً لسخطه واستتماماً للبلية وانجازاً للعدة » ؛ أي أنّ اللَّه قد أجزل عقابه بمنحه هذه المهلة من جانب ؛ لأنّ الآيات القرآنية تفيد التحذير الإلهي الشديد والمتكرر لُاولئك الذين يسيرون باتجاه الذنوب والمعاصي ؛ فإذا فاد التحذير وأثّر بهم ورجعوا عن غيّهم كان ذلك خيراً وإلّا أمهلهم ووكلهم إلى أنفسهم ليكون عذابهم أشد : « وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ نَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ

--> ( 1 ) سورة الكهف / 50 . ( 2 ) سورة الحجر / 42 . ( 3 ) سورة الحجر / 100 .